الثلاثاء، 16 يونيو 2026

منطق الطير ،هل هو نظام اتصالات لاسلكية ؟!

 هل كان "منطق الطير" عند سليمان عليه السلام نظامًا للاتصالات والإشارات اللاسلكية؟

بقلمي : الدبعي على احمد - يونيو 2026


تُعد قصة النبي سليمان من أكثر القصص القرآنية إثارة للتساؤلات العلمية والتفسيرية، وخاصة قوله تعالى:


﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (النمل: 16).


والفهم الشائع لهذه الآية أن سليمان عليه السلام كان يفهم لغة الطيور ومعاني أصواتها بصورة مباشرة. غير أن النص القرآني نفسه استخدم كلمة "منطق" ولم يستخدم كلمة "لغة"، او لسان ،الأمر الذي يفتح المجال لدراسة معنى الآية من زاوية أخرى تتعلق بآليات الاتصال ونظم نقل المعلومات.


معنى كلمة "منطق"


في الاستعمال العربي، يدل المنطق على طريقة التعبير وإيصال المعنى وفق نظام معين من الإشارات أو الأصوات. ولذلك يمكن فهم عبارة "منطق الطير" على أنها تشير إلى معرفة النظام أو الآلية التي تنتقل بها المعلومات بين الطيور، وليس بالضرورة التحدث بلغتها كما يتحدث البشر فيما بينهم.

ومن المعلوم علميًا أن كثيرًا من الطيور تعتمد على أنماط صوتية معقدة تتضمن اختلافات في النغمة والإيقاع والزمن والتكرار لنقل رسائل متنوعة تتعلق بالخطر أو الغذاء أو التجمع أو الهجرة.


الطيور كنماذج طبيعية للاتصال


أظهرت الدراسات الحديثة أن بعض أنواع الطيور تمتلك نظمًا متقدمة لتبادل المعلومات، وأنها تستخدم إشارات صوتية يمكن تمييزها وتحليلها رياضيًا وإحصائيًا.

وتشير أبحاث علم السلوك الحيواني إلى أن الطيور لا تطلق أصواتًا عشوائية، بل تعتمد على أنماط منظمة يمكن اعتبارها نوعًا من "الشفرة" أو "البروتوكول الاتصالي" الذي يربط بين أفراد المجموعة.

ومن هذه الزاوية يمكن تصور أن عبارة "عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ" قد تعني معرفة القواعد المنظمة لهذه الإشارات الصوتية.


مقارنة مع أنظمة الاتصال الحديثة


تعتمد أنظمة الاتصال الحديثة، مثل التلغراف وشفرة مورس، على تحويل المعلومات إلى نبضات او نقرات صوتية  قصيرة وطويلة أو إشارات متقطعة يتم إرسالها ثم فك شفرتها في الطرف الآخر.

وعند الاستماع إلى نقرات  شفرة مورس لأول مرة تبدو وكأنها نقرات طيور ، نقرات متتابعة ، بينما يستطيع المختص ترجمتها إلى كلمات وجمل كاملة لأنه يعرف نظام التشفير المستخدم.


وبالمثل يمكن افتراض أن علمنا "منطق الطير" قد يكون أقرب إلى معرفة قواعد ترميز الإشارات وفكها وارسالها بنقرات صوتية ،برقية ،لا سلكية وليس  سماع أصوات الطيور وفهم معانيها. 


قصة الهدهد ودلالة نقل المعلومات


تذكر سورة النمل أن الهدهد نقل إلى سليمان معلومات عن مملكة سبأ:


﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ (النمل: 23).


وتدل القصة على وجود عملية نقل للمعلومات بين الهدهد وسليمان. أما كيفية انتقال هذه المعلومات فتبقى من الأمور التي لم يشرحها القرآن تفصيلاً.

ومن الناحية العلمية يمكن النظر إلى القصة باعتبارها مثالًا على استخدام وسائل الاستطلاع وجمع المعلومات، سواء أكان ذلك عبر الطيور نفسها أو عبر معرفة متقدمة بوسائل الاتصال الطبيعية.



فرضية قابلة للبحث


لا يوجد في النص القرآني ما يصرح بأن سليمان اخترع تلغرافًا أو استخدم شفرة شبيهة بمورس، ولذلك يبقى هذا الاستنتاج في إطار الفرضية التفسيرية لا الحقيقة القطعية.

لكن يمكن القول إن الآيات تسمح بالتفكير في أن "منطق الطير" قد يشير إلى معرفة متقدمة بقوانين الاتصال ونقل المعلومات في الطبيعة، لا سلكية  وأن هذه المعرفة ربما كانت ذات تطبيقات عملية في إدارة الدولة والجيش وجمع الأخبار.


الخلاصة


يمكن فهم قوله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ على أنه إشارة إلى معرفة نظام التواصل الذي تستخدمه الطيور، وهو نظام قائم على إشارات واصوات ونقرات صوتية  منظمة تحمل معلومات محددة. وتنسجم هذه القراءة مع ما كشفه العلم الحديث من وجود أنظمة اتصال معقدة لدى الطيور والحشرات.

ومع ذلك، يبقى الربط بين "منطق الطير" وبين تقنيات التلغراف أو شفرة مورس فرضية فكرية تستحق الدراسة والمناقشة، لكنها لا ترقى وحدها إلى مستوى الدليل القاطع. والتمييز بين النص القرآني الثابت والتفسير الاجتهادي يظل ضرورة علمية ومنهجية عند دراسة مثل هذه القضايا.