الخميس، 2 يوليو 2026

شهد عليهم سمعهم وابصارهم وجلودهم - قراءة حديثة واقعية

 حين تشهد أدوات السلطة على أصحابها: قراءة في دلالات السمع والأبصار والجلود.

بقلمي:  الدبعي على احمد - يوليو 2026.


يصور القرآن الكريم في سورة فصلت مشهداً من أكثر مشاهد الحساب إثارة للتأمل، حين يقف الإنسان أمام الحقيقة المجردة التي لا يستطيع إنكارها أو الهروب منها:


يقول المولى عز وجل :


وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ۝١٩ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ... ۝ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾.فصلت.


وقد فهم جمهور المفسرين هذه الآيات على ظاهرها، فرأوا أن أعضاء الإنسان ذاتها ستنطق يوم القيامة، فيشهد السمع بما سمع، والبصر بما رأى، والجلد بما باشر من أعمال. وهو تفسير منسجم مع قدرة الله المطلقة على إنطاق كل شيء.


لكن ثمة قراءة تأملية أخرى يمكن أن تُطرح بوصفها فرضية تدبرية، تنظر إلى هذه الألفاظ باعتبارها قد تشير أيضاً إلى "المنظومة البشرية" التي أحاط بها الإنسان نفسه في الدنيا، وخاصة إذا كان صاحب سلطة أو نفوذ.

فالسلطة عبر التاريخ لم تكن تمارس نفوذها بواسطة شخص واحد، بل عبر شبكة كاملة من الأعوان والموظفين والحراس والمراقبين والمستشارين. وهؤلاء يشكلون في الحقيقة سمع الحاكم وبصره وجلده الذي يتحرك به بين الناس.

وفق هذا التصور، يمكن النظر إلى "السمع" باعتباره أولئك الذين يتلقون التعليمات وينقلون الأخبار ويؤدون الأوامر. إنهم الأذن التي تستقبل المعلومات، والقنوات التي تمر عبرها القرارات. كانوا في الدنيا أدوات تنفيذ، لكنهم في لحظة الحساب يتحولون إلى شهود على ما جرى.


أما "الأبصار" فقد ترمز إلى العيون المنتشرة في المجتمع، من مراقبين ومفتشين ومخبرين وموظفين ومسؤولين عن جمع المعلومات. هؤلاء يرون ما لا يراه صاحب القرار بنفسه، ويوثقون الوقائع والأحداث، ولذلك يصبحون شهوداً طبيعيين على ما وقع تحت سلطته.

في حين يمكن فهم "الجلود" بوصفها الطبقة الأقرب إلى الحاكم: بطانته، وحاشيته، وحرسه، والمقربين منه. فالجلد هو الغطاء الملاصق للجسد، والحاشية هي الغطاء الملاصق للسلطة. وكما يحمي الجلد الجسد، تحمي هذه الدائرة صاحب النفوذ من الضغوط والخصوم والانتقادات.


وتزداد هذه القراءة إثارة حين نتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾. فالاستتار لا يكون دائماً خلف الجدران، بل قد يكون خلف المؤسسات والألقاب والرتب والنفوذ. كثير من الحكام والمسؤولين عبر التاريخ ظنوا أن كثرة الأعوان والموالين ستمنع ظهور الحقيقة، وأن الملفات ستُغلق، والوثائق ستُخفى، والشهود سيصمتون.

غير أن التجربة الإنسانية تقدم شواهد متكررة على عكس ذلك تماماً.

فكم من نظام سياسي بدا شديد التماسك لعقود طويلة، ثم انهار بسبب شهادات خرجت من داخله. وكم من أسرار دول وجيوش وأجهزة أمنية لم يكشفها الخصوم، بل كشفها موظفون ومسؤولون كانوا جزءاً من المنظومة نفسها. وكم من قضايا فساد أو انتهاكات لم تظهر للعلن إلا بعد أن تحدث أشخاص كانوا يوماً من أقرب المقربين إلى أصحاب القرار.

لقد أثبت الواقع مراراً أن أكثر الشهادات تأثيراً ليست شهادة الغرباء، بل شهادة من كانوا في قلب الحدث. فالسائق يعرف، والحارس يرى، والمستشار يسمع، والموظف يوثق، والسكرتير يحتفظ بالرسائل، والأنظمة الإلكترونية تسجل التفاصيل الدقيقة. وهكذا تتحول الأدوات التي استُخدمت لحماية النفوذ إلى وسائل لكشفه.

وفي عصرنا الحديث أصبحت هذه الفكرة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فالكاميرات، والسجلات الرقمية، ورسائل البريد الإلكتروني، والمكالمات المسجلة، وقواعد البيانات، كلها أشبه بـ"سمع" و"أبصار" جديدة تحفظ الأحداث بدقة مذهلة. وكثير من القضايا الكبرى في العالم المعاصر لم تُحسم باعترافات أصحابها، بل بما سجلته الأجهزة والوثائق والشهود الذين كانوا جزءاً من المنظومة ذاتها.

ومن هنا يمكن فهم الآيات بوصفها رسالة أخلاقية عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان: فلا أحد يملك السيطرة المطلقة على الحقيقة. وما يظنه الإنسان ستاراً يخفي أفعاله قد يصبح يوماً دليلاً عليها. وما يعتبره وسيلة لحماية نفوذه قد يتحول إلى شاهد يكشفه.

سواء أخذنا الآيات على معناها المباشر الذي يفيد شهادة أعضاء الجسد، أو تأملنا فيها باعتبارها تشمل أيضاً المنظومات البشرية المحيطة بالإنسان، فإن الرسالة النهائية تبقى واحدة: الحقيقة لا تضيع، والشهادة لا تموت، وكل ما يُسمع ويُرى ويُحاط بالإنسان سيبقى محفوظاً حتى يأتي يوم يُنطق الله فيه كل شيء بالحق.


شهد عليهم سمعهم وابصارهم وجلودهم - قراءة حديثة واقعية

 حين تشهد أدوات السلطة على أصحابها: قراءة في دلالات السمع والأبصار والجلود. بقلمي:  الدبعي على احمد - يوليو 2026. يصور القرآن الكريم في سورة...