هل كان هدهد سليمان حمامًا زاجلًا؟ قراءة لغوية ووظيفية جديدة.
بقلمي: الدبعي على احمد - يونيو 2026.
تُعد قصة هدهد سليمان من أكثر القصص القرآنية إثارة للتأمل؛ إذ ارتبط هذا الطائر بدور استخباراتي واتصالي بالغ الأهمية في مملكة النبي سليمان عليه السلام. وقد استقر الفهم الموروث عند جمهور المفسرين على أن المقصود هو الطائر المعروف اليوم باسم "الهدهد" (Upupa epops)، غير أن بعض الباحثين والمتدبرين المعاصرين طرحوا احتمالًات عديدة ومختلفة ، مفادها أن "الهدهد" المذكور في القصة قد لا يكون اسمًا لنوعٍ بعينه من الطيور، بل وصفًا لطائرٍ مستأنس كان يُستخدم لنقل الأخبار والرسائل، أقرب ما يكون إلى الحمام الزاجل،وبعضهم يعتقد انه كناية عن رجل استخباراتي
الهدهد في النص القرآني
ورد ذكر الهدهد في سورة النمل ضمن قصة سليمان عليه السلام:
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: 20-22].
ثم يخبر سليمان عن مملكة سبأ وملكتها، فيأمره بحمل كتابه إليهم:
﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: 28].
التفسير الموروث
يرى جمهور المفسرين أن الهدهد هو الطائر البري المعروف بهذا الاسم اليوم. وقد نُسب إليه في كتب التفسير قدرات خاصة، منها:
اكتشاف مواقع المياه تحت الأرض.
القيام بمهام الاستطلاع والبحث.
نقل الأخبار بين المناطق البعيدة.
العمل ضمن منظومة الطير المسخرة لسليمان.
وقد ذكر بعض المفسرين أن سليمان كان يعتمد على الهدهد في معرفة مواضع المياه أثناء أسفاره، مستندين إلى روايات وآثار منقولة عن السلف.
إشكالات تدفع إلى إعادة النظر
عند مقارنة صفات الهدهد البري المعروف حاليًا بالدور الذي تصفه الآيات، تظهر عدة تساؤلات:
فالهدهد البري طائر منفرد بطبعه، صعب الاستئناس، ويعيش حياة مستقلة بعيدًا عن الإنسان. كما أن طيرانه متموج وبطيء نسبيًا، ولا يُعرف تاريخيًا باستخدامه في نقل الرسائل أو تنفيذ المهام اللوجستية.
في المقابل، تصف الآيات طائرًا:
يخضع لنظام إداري منظم.
يمكن تفقده ومحاسبته على الغياب.
ينقل المعلومات بين أقاليم متباعدة.
يحمل كتابًا رسميًا من سليمان إلى ملكة سبأ.
وهذه الصفات تبدو أقرب إلى الطيور البريدية المستأنسة ،مثل الحمام الزاجل ،منها إلى طائر بري يصعب إخضاعه للتدريب.
الحمام الزاجل: المرشح الأقرب وظيفيًا
من المعروف تاريخيًا أن الحمام الزاجل كان من أعظم وسائل الاتصال في الحضارات القديمة والحديثة. وقد استُخدم لقرون طويلة في نقل الرسائل العسكرية والتجارية والسياسية.
ويمتاز الحمام الزاجل بعدة خصائص:
قدرة مذهلة على العودة إلى موطنه من مسافات تتجاوز مئات الكيلومترات.
سهولة التربية والتدريب.
الارتباط الوثيق بالإنسان.
الكفاءة العالية في نقل الرسائل.
لذلك يرى بعض المتدبرين أن الطائر الذي حمل كتاب سليمان قد يكون أقرب وظيفيًا إلى الحمام الزاجل منه إلى الهدهد البري المعروف.
الدلالة اللغوية لكلمة "الهدهد"
تضيف بعض المعاجم العربية زاوية أخرى للنقاش.
ففي "تاج العروس" للزبيدي تُذكر "الهدهدة" باعتبارها نوعًا من أصوات الحمام، وخاصة الأصوات المترددة التي يطلقها الذكر.
كما يورد ابن سيده في "المخصص" أن "الهديل" هو الاسم الأشهر لصوت الحمام، بينما تستعمل "الهدهدة" لوصف بعض أنماط الترجيع الصوتي والترديد.
وهذا لا يعني أن اسم "الهدهد" كان يُطلق يقينًا على الحمام، لكنه يبين وجود تقارب لغوي بين الجذر المرتبط بالهدهدة وبعض أصوات الحمام، مما يفتح باب البحث في احتمال أن تكون التسمية أوسع مما نفهمه اليوم.
آراء بعض المفكرين والمتدبرين
ظهرت في العقود الأخيرة قراءات جديدة لقصة الهدهد، منها:
من رأى أن الهدهد كان قائدًا بشريًا أو جاسوسًا ضمن جهاز استخبارات سليمان، وأن لفظ الطير قد يحمل معنى رمزيًا.
من اعتبره رسولًا بشريًا سُمِّي بالهدهد.
من رأى أنه طائر استطلاع متخصص في اكتشاف الموارد والمعلومات.
ومن اقترح أنه كان نوعًا من الحمام البريدي أو الطيور المستخدمة في المراسلات.
وهذه الآراء تبقى اجتهادات تفسيرية لا يوجد عليها إجماع، لكنها تحاول التوفيق بين أوصاف النص والخصائص المعروفة للطيور في الواقع.
بين النص والفرضية
يبقى الرأي الموروث هو أن الهدهد المذكور في القرآن طائر الهدهد المعروف اليوم، وهو الرأي الذي تبناه جمهور المفسرين عبر القرون.
غير أن الفرضية البديلة ترى أن التركيز ينبغي أن يكون على الوظيفة التي قام بها الطائر أكثر من التركيز على نوعه الحيواني. فالدور الذي أداه في الاستطلاع ونقل المعلومات وحمل الرسائل يجعل الحمام الزاجل مرشحًا جديرًا بالنظر من الناحية العملية والتاريخية.
وعليه، فإن السؤال لا يتعلق بإنكار وجود طائر الهدهد المعروف، بل بإعادة فحص ما إذا كان الاسم القرآني يشير بالضرورة إلى ذلك النوع بعينه، أم أنه قد يكون وصفًا أو تسمية أوسع لطائرٍ استخدم في منظومة الاتصالات لدى سليمان عليه السلام.
وحتى الآن تبقى هذه الفرضية قراءة بحثية قابلة للنقاش، تحتاج إلى مزيد من الدراسة اللغوية والتاريخية والأثرية قبل الجزم بها.