الزقوم والنفط: قراءة تأملية في ضوء النص والواقع
بقلمي: الدبعي على احمد - يوليو 2026
منذ قرون طويلة، استقر في أذهان كثير من المفسرين أن شجرة الزقوم المذكورة في القرآن هي شجرة حقيقية من أشجار العذاب في الآخرة. غير أن النص القرآني نفسه يترك أمام القارئ المتدبر مساحة للتأمل في دلالات الألفاظ والصور البلاغية، خصوصًا عندما ترتبط بعبارات ذات طابع رمزي مثل "الفتنة" و"رؤوس الشياطين" و"أصل الجحيم".
يقول الله تعالى:
﴿أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾.
تبدأ هذه القراءة من ملاحظة أن الآيات تصف الزقوم بأنها "فتنة للظالمين". والفتنة في الاستعمال القرآني ترتبط غالبًا بالاختبار والابتلاء والإغراء في الحياة الدنيا ،وليس في اليوم الاخر ، الذي يكشف حقيقة الإنسان وسلوكه. ومن هنا يبرز التساؤل: هل المقصود مجرد شجرة تؤكل في عالم الآخرة، أم أن النص يشير أيضًا إلى رمز دنيوي يفتتن به الناس ويقعون بسببه في الظلم والصراع؟
إذا نظرنا إلى النفط بوصفه أحد أكثر الموارد تأثيرًا في التاريخ الحديث، نجد أنه يمتلك عددًا من الصفات التي تجعل المقارنة مثيرة للتأمل.
فالنفط يخرج من أعماق الأرض حيث درجات الحرارة العالية والضغوط الهائلة، وهو ما قد يجعل عبارة:
﴿تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾
قابلة للفهم بوصفها إشارة إلى بيئة التكوين العميقة الحارة، لا بالضرورة إلى نار أخروية. فالجحيم في أصل اللغة يدل على شدة التوقد والحرارة، وهو وصف ينطبق على الظروف الجيولوجية التي تتكون فيها المواد الهيدروكربونية في باطن الأرض.
أما قوله تعالى:
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾
فيمكن النظر إليه من زاوية الصورة البصرية. فعند اندفاع النفط الأسود من بعض الآبار أو تسربه على سطح الأرض، تتشكل تيارات وألسنة سوداء متعرجة تشبه في حركتها رؤوس الثعابين الزاحفة. وقد يكون المقصود وصفًا مجازيًا لشيء منفّر أو مخيف المظهر، لا وصفًا حرفيًا لكائن غيبي.
وفي هذه الفرضية لا تكون "الشجرة" شجرة نباتية بالضرورة، بل منظومة متشعبة الإنتاج والتأثير، كما تستعمل كلمة الشجرة في العربية للدلالة على التفرعات والتشابكات، مثل شجرة النسب وشجرة القرارات.
أما قوله:
﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾
فيمكن فهمه على أنه كناية عن الانتفاع والاستغلال. فاللغة العربية تستعمل الأكل بمعنى الاستحواذ والانتفاع، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾.
وعلى هذا الأساس يصبح "الأكل من الزقوم" رمزًا لاعتماد الناس على هذه المادة واستغلالها لتحقيق الثروة والنفوذ والمصالح الدنيوية.
ومن اللافت أن النفط منح البشرية طاقة هائلة وقدرات اقتصادية وصناعية غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه كان سببًا في حروب وصراعات وأزمات بيئية وتنافس سياسي عنيف. ولذلك يمكن أن تُفهم الفتنة هنا على أنها فتنة القوة والثروة والسيطرة.
ويزداد هذا المعنى وضوحًا عند تأمل قوله تعالى:
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾.
ففي القراءة التقليدية يشير الحميم إلى الماء شديد الحرارة، أما في هذه القراءة التأويلية فقد يكون رمزًا لما يحيط بالنفط من نيران الحروب والأسلحة والصراعات الدامية والمنافسات المحتدمة على مصادر الطاقة وطرق نقلها وأسواقها.
لقد شهد العالم خلال القرنين الماضيين حروبًا كبرى ونزاعات إقليمية وعقوبات اقتصادية وانقلابات وصراعات دولية ارتبط كثير منها بالنفط بصورة مباشرة أو غير مباشرة. كما ترتبط به مشكلات التلوث البيئي والاحتباس الحراري وتسربات البحار والأضرار الواسعة التي تصيب النظم البيئية والحياة الفطرية.
من هذا المنظور، تبدو الزقوم في هذه الفرضية رمزًا لمورد بالغ القوة والتأثير، يحقق منافع عظيمة، لكنه يصبح فتنة عندما يتحول إلى أداة للطغيان والاحتكار والإفساد والصراع.
ومع ذلك، تبقى هذه القراءة فرضية تأملية تحتاج إلى مزيد من البحث اللغوي والسياقي. فهي لا تدعي إبطال التفسير الموروث، وإنما تحاول استكشاف إمكانية وجود دلالات رمزية أوسع للنص، مستفيدة من المعارف الجيولوجية والاقتصادية والبيئية الحديثة، ومن مبدأ اختبار الفرضيات بمدى قدرتها على تفسير أكبر عدد ممكن من عناصر النص والواقع معًا.
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ٥١ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ٥٢ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ٥٣ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ٥٤ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ٥٥ هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ٥٦ .من سورة الواقعة.