المعلومات هى المكوّن الثالث للوجود بين الوحي والعلم.
بقلمي: م/الدبعي على احمد - اغسطس 2026
منذ قرون طويلة، انشغل الإنسان بالسؤال عن العناصر الأساسية التي يتكون منها الكون؛ فكان الحديث يدور غالباً حول المادة والطاقة. إلا أن التطورات العلمية والفلسفية الحديثة دفعت بعض المفكرين إلى طرح فكرة أعمق تفيد بأن **المعلومة (Information)** أو الكلمة والأمر تمثل عنصراً أساسياً وثالثاً في بناء الوجود إلى جانب المادة والطاقة. وتفتح هذه الرؤية باباً واسعاً للتأمل بين نصوص الكتب المقدسة والقوانين الناظمة للكون.
### الكلمة في بدايات الخلق والأمر الإلهي
تظهر النصوص المقدسة أن الخلق لم يبدأ بمادة ظاهرة عشوائية، بل سبقته إرادة وتنظيم. ففي افتتاحية إنجيل يوحنا ورد:
> "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله." (يوحنا 1:1)
>
وفي سفر التكوين يبدأ الخلق بالأمر:
> "وقال الله: ليكن نور، فكان نور." (التكوين 1:3)
>
وقد فهم اللاهوتيون كلمة "اللوغوس" (Logos) على أنها العقل المنظم للموجودات. وفي القرآن الكريم، تتكرر الإشارة بوضوح إلى ارتباط الوجود بالكلمة والأمر الإلهي، ومن ذلك قوله تعالى:
> ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82)
>
وقوله سبحانه:
> ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 54)
>
وتبيّن هذه النصوص التمييز البديع بين "الخلق" الذي يشير إلى الموجودات وقواها، و"الأمر" الذي يمثل القوانين والسنن والمقادير المنتظمة لها. كما تتجلى سعة هذه الكلمات الإلهية في قوله تعالى:
> ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (الكهف: 109)
>
وقوله عز وجل:
> ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (لقمان: 27)
>
### المادة، الطاقة، والمعلومة في العلم الحديث
أثبتت الفيزياء الحديثة أن المادة والطاقة صورتان لشيء واحد وفق معادلة أينشتاين الشهيرة (E = mc^2). ومع ذلك، لم تفسر هذه المعادلة وحدها سبب انتظام الكون ودقته المذهلة؛ فذرات المادة في جسد الإنسان تشبه تلك الموجودة في الصخور والتراب، لكن الفرق الجوهري يكمن في دقة **ترتيب المعلومات**.
ويتجلى ذلك بوضوح في عالم الأحياء عبر **الحمض النووي (DNA)**، فهو ليس مجرد مادة كيميائية، بل يحمل شفرات وتعليمات دقيقة تحدد شكل الكائن الحي ووظائفه وطريقة نموه باستخدام أربعة أحرف كيميائية فقط قادرة على بناء أنظمة بالغة التعقيد.
وقد دفع هذا التوجه الفيزيائي الشهير "جون أرشيبالد ويلر" لطرح فكرته الشهيرة **"It from Bit"** (الشيء من البِتّ)، مفترضاً أن المعلومات قد تكون أكثر أساسية من المادة نفسها، وأن الواقع المادي ينشأ في جوهره من بنى معلوماتية عميقة.
### قرائن عقلية على محورية المعلومة
* **الكتاب:** قد يزن نصف كيلوغرام، لكن قيمته الحقيقية تكمن في المعلومات التي يحويها لا في الورق والحبر.
* **الحاسوب:** مجرد معادن وإلكترونات، ولا تظهر وظيفته إلا عند تحميل البرامج والتعليمات التنظيمية.
* **الخلايا الحية:** تعتمد كلياً على الشفرة التنظيمية الموجهة لمادتها؛ فبإزالة المعلومات تزول الشفرة ويختفي النظام والمعنى.
### رؤية تأملية وخلاصة
بناءً على ما سبق، يمكن إدراك الوجود باعتباره قائماً على أبعاد ثلاثة متكاملة:
1. **المادة:** الأجسام والبنى الفيزيائية.
2. **الطاقة:** القوى والحركة والتحولات.
3. **المعلومة أو الأمر:** القوانين والشفرات والتنظيم الذي يمنح المادة والطاقة شكلهما ووظيفتهما.
وخلاصة القول إن عالم الشهادة والغيب يقومان على المادة والطاقة، بينما تقوم استمراريتهما ودقتهما على المعلومة. فتظهر المعلومة في الشفرة الوراثية للأحياء، وفي القوانين والثوابت الفيزيائية للكون، وفي اللغة والمعرفة الإنسانية، لتصبح "الكلمة" رمزاً لمعنى عميق يربط بين قوله تعالى ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وبين ما نشهده من احتياج الأشياء للمادة والطاقة والنظام والمعلومات معاً لتعمل وتنتظم.