من الأميّة إلى الحكمة: هل كان تعليم الكتاب والحكمة مشروعًا لبناء الإنسان القارئ والحاسب؟
حين يتأمل الباحث في مسار الرسالات الإلهية، يلاحظ أن الوحي لم يكن مجرد مواعظ أخلاقية أو أوامر تعبدية معزولة عن واقع الإنسان، بل كان دائمًا مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان وتأهيله لحمل الأمانة. ومن هنا يبرز سؤال جدير بالتدبر: كيف يمكن لأمةٍ أن تُكلَّف بحفظ كتاب، وفهم آياته، وإقامة أحكامه، وإدارة شؤونها المالية والاجتماعية وفق تشريعاته، وهي محرومة من أدوات القراءة والكتابة والحساب؟
إن من مقتضيات الحكمة الإلهية أن الوسائل الضرورية لتحقيق المقاصد لا تنفصل عن المقاصد نفسها. فإذا كان القرآن كتابًا مكتوبًا ومتلوًا ومحفوظًا، فإن وجود أمة قادرة على القراءة والكتابة يصبح جزءًا من البيئة الطبيعية اللازمة لحفظ الرسالة وفهمها. وإذا كانت الشريعة تتضمن مواريث وديونًا وتجارات ومواقيت وعددًا للسنين والشهور، فإن امتلاك أدوات الحساب والمعرفة الرقمية يصبح ضرورة لا غنى عنها.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى الآيات التي تصف وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفها لا تقتصر على التعليم الديني المجرد، بل تشمل أيضًا بناء الأدوات المعرفية التي تجعل ذلك التعليم ممكنًا ومستدامًا.
قال تعالى:
﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
والفهم الشائع يرى أن "الكتاب" هو القرآن، وأن "الحكمة" هي الفقه أو الفهم السديد. وهذا معنى معتبر. غير أن التدبر يفتح بابًا آخر للنظر؛ إذ يمكن أن يكون في التعبير إشارات إلى الأدوات التي تجعل فهم القرآن والحكمة ممكنًا في الأصل.
فـ"تعليم الكتاب" قد يُفهم على أنه تعليم الأمة ثقافة الكتابة والقراءة والتدوين، ونقلها من مجتمع يغلب عليه الحفظ الشفهي إلى مجتمع يمتلك القدرة على توثيق المعرفة وصيانتها ونقلها عبر الأجيال. فالكتاب في اللغة مرتبط بالكتابة والضبط والتسجيل، ولا يبعد أن يكون تعليم الكتاب متضمنًا لتعليم أدوات التعامل مع النص المكتوب.
أما "تعليم الحكمة"، فإن الحكمة في أصلها اللغوي تدل على الإحكام والإتقان ووضع الشيء في موضعه. وكل نظام محكم يحتاج إلى التقدير والقياس والحساب. ومن هنا يمكن أن تُفهم الحكمة أيضًا بوصفها تدريبًا على الانضباط العقلي والمنهجية الدقيقة التي تقوم عليها العلوم والمعاملات.
وتتعزز هذه الرؤية بعدد من القرائن القرآنية.
فأول ما نزل من الوحي لم يكن أمرًا بالصلاة أو الصيام، بل كان أمرًا بالقراءة:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
ثم جاء مباشرة ذكر القلم:
﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
وكأن الآيات الأولى ترسم معالم المشروع المعرفي الذي سيقوم عليه البناء الحضاري كله: قراءة، وقلم، وتعليم، ومعرفة.
كما أن القرآن يربط بين حركة الأجرام السماوية وبين الحساب الزمني في قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾.
فالغاية المعلنة هنا ليست مجرد التأمل في الكون، بل اكتساب القدرة على العدّ والحساب وضبط الزمن. وهي أدوات أساسية لا غنى عنها لإقامة كثير من الأحكام الشرعية والمعاملات الإنسانية.
وتبرز قرينة أخرى في أطول آية في القرآن الكريم، آية الدَّين، حيث يتكرر الحديث عن الكتابة والتوثيق والشهادة:
﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.
إن الإلحاح على التدوين في المعاملات المالية يوحي بأهمية الثقافة الكتابية في المجتمع المؤمن، ويكشف أن الكتابة ليست مجرد مهارة ثانوية، بل أداة لحفظ الحقوق وتحقيق العدل.
كما أن القرآن يصف نفسه بأنه:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.
والتدبر ليس عملية تلقٍّ سلبي، بل نشاط عقلي يتطلب فهماً وتحليلاً ومقارنةً وربطًا بين المعاني. وكل ذلك يزداد عمقًا واتساعًا عندما تمتلك الأمة أدوات القراءة والكتابة والبحث والتدوين.
ومن القرائن اللافتة أيضًا كثرة ورود ألفاظ: الكتاب، القلم، السجل، الزبر، الصحف، الرقم، الإحصاء، العدد، الميزان، الوزن، الكيل، التقدير. وهي مفردات تنتمي جميعها إلى عالم الضبط والتنظيم والحساب والتوثيق، لا إلى عالم الارتجال والعشوائية.
لذلك يمكن القول إن رسالة الإسلام لم تكن دعوة روحية فحسب، بل كانت أيضًا مشروعًا لتحرير العقل من الأمية، ونقل الإنسان من الاعتماد الكامل على الذاكرة الشفهية إلى فضاء المعرفة المدونة والمنظمة. فالأمة التي طُلب منها أن تقرأ كتاب الله، وتحفظه، وتفهمه، وتستنبط منه، وتدير شؤونها وفق هداياته، لا بد أن تكون أمة قارئة وكاتبة وحاسبة.
وعلى هذا الفهم يصبح "تعليم الكتاب والحكمة" أكثر من مجرد نقل معلومات دينية؛ إنه تأسيس لأدوات المعرفة ذاتها، وبناء للإنسان القادر على الفهم والتوثيق والتدبر والحساب، ليكون أهلًا لحمل الرسالة وإقامة العمران وصناعة الحضارة.
وقد لا تكون هذه القراءة هي المعنى الوحيد للآيات، لكنها تظل فرضية تدبرية تستند إلى جملة من القرائن اللغوية والموضوعية، وتنسجم مع حقيقة ظاهرة في القرآن كله: أن الوحي لا يكتفي بتوجيه الإنسان، بل يؤهله بالأدوات التي تمكّنه من تطبيق ذلك التوجيه في واقع الحياة.