الأربعاء، 12 أغسطس 2026

مرآة التاريخ: كيف تكشف انقسامات مملكة سليمان بعض مسارات مصير اليمن الحديث

 مرآة التاريخ: كيف تكشف انقسامات مملكة سليمان بعضَ مسارات مصير اليمن الحديث؟

بقلمي:  م/ الدبعي على احمد - اغسطس 2026

التاريخ لا يعيد نفسه بالضرورة بالطريقة ذاتها، ولا يعيد الأشخاص والأسماء والأحداث حرفيًا؛ لكنه قد يعيد إنتاج البنية نفسها من السلوك السياسي والصراع على الشرعية والموارد والقوة، مع تغيير الزمان والمكان والشخصيات.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الانقسام الذي أصاب مملكة بني إسرائيل بعد عصر سليمان بوصفه مرآة تاريخية تساعدنا على التفكير في الانقسام اليمني المعاصر.

ليست الفكرة أن اليمن الحديث هو نسخة من مملكتي إسرائيل ويهوذا، ولا أن ما حدث في الماضي يمثل نبوءة حرفية بما سيحدث في اليمن. وإنما الفكرة أن هناك آليات سياسية متشابهة يمكن أن تظهر في حضارات وأزمنة مختلفة: ضعف المركز، أزمة انتقال السلطة، تنازع الشرعية، ظهور مراكز قوة منافسة، بناء هويات سياسية جديدة، الانقسام الاقتصادي والعسكري، ثم دخول القوى الخارجية على خط الصراع.

وهنا تصبح قصة الانقسام القديم أكثر من مجرد حادثة تاريخية؛ تصبح نموذجًا يمكن من خلاله قراءة بعض الاحتمالات التي تواجه اليمن.


من الوحدة المركزية إلى الانقسام


بعد وفاة سليمان، برزت أزمة سياسية في المملكة المرتبطة بخلافة الحكم والضرائب والأعباء المفروضة على القبائل والمناطق.

وحين فشل الملك رحبعام في احتواء المطالب، برز يربعام، وانتهى الأمر بانقسام المملكة إلى كيانين سياسيين: مملكة إسرائيل في الشمال، ومملكة يهوذا في الجنوب.

وهنا تظهر أولى قواعد المرآة التاريخية:

الدول لا تنقسم فقط عندما يظهر عدو خارجي؛ بل قد تبدأ عملية الانقسام من أزمة داخلية في إدارة السلطة نفسها.

فعندما يشعر جزء من المجتمع بأن المركز لا يمثل مصالحه، أو أن توزيع الموارد والأعباء غير عادل، أو أن عملية انتقال السلطة غير مقبولة، يمكن أن يتحول الخلاف السياسي إلى صراع على أصل الشرعية.

وهذا أحد الجوانب التي تجعل التجربة القديمة جديرة بالتأمل عند النظر إلى اليمن.


الشرعية شيء، والقدرة على الحكم شيء آخر


كانت يهوذا الجنوبية تحتفظ بمكانة رمزية مهمة باعتبارها مركز سلالة داود والعاصمة التاريخية في القدس.

لكن امتلاك الشرعية التاريخية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة الفعلية على ممارسة السلطة في كل مكان.

وهنا تظهر قاعدة سياسية تتكرر في التاريخ:


قد يمتلك طرفٌ شرعيةً أكبر، بينما يمتلك طرفٌ آخر قدرةً أكبر.


والقدرة السياسية لا تقاس بالاعتراف وحده، وإنما تشمل:


السيطرة على الأرض.


امتلاك المؤسسات.


القدرة على تحصيل الإيرادات.


إدارة الأمن.


امتلاك قوة عسكرية منظمة.


القدرة على تقديم الخدمات.


والقدرة على إنتاج شرعية مقبولة لدى السكان.


وهذا التفريق بالغ الأهمية في الحالة اليمنية.

فالحكومة المعترف بها دوليًا تمتلك جانبًا مهمًا من الشرعية القانونية والدبلوماسية الدولية، لكنها واجهت ولا تزال تواجه مشكلة تعدد مراكز القوة وضعف القدرة على فرض سلطة مركزية موحدة على جميع الأراضي اليمنية.

وفي المقابل، استطاع الحوثيون بناء سلطة فعلية في صنعاء ومناطق واسعة من شمال اليمن، رغم عدم حصولهم على الاعتراف الدولي نفسه.

وهكذا يصبح الصراع اليمني، في أحد مستوياته، صراعًا بين:

الشرعية القانونية من جهة، والقدرة الفعلية على الحكم من جهة أخرى.

وهذا لا يعني أن أحدهما يلغي الآخر؛ بل إن الدولة المستقرة تحتاج في النهاية إلى الجمع بين الاثنين.


السامرة: عندما يحتاج الانفصال إلى شرعية جديدة


لم يكن الانفصال السياسي لمملكة إسرائيل الشمالية كافيًا وحده.

فالكيان السياسي الجديد احتاج إلى بناء مركز سياسي وديني مستقل، بعيدًا عن القدس التي كانت تمثل مركز الثقل التاريخي للمملكة الموحدة.

ومن هنا جاءت أهمية السامرة والمراكز الدينية البديلة في ترسيخ استقلال المملكة الشمالية.

وهنا تظهر قاعدة أخرى:


الانفصال السياسي الطويل يحتاج إلى رواية تبرره.


فكل سلطة ناشئة تحتاج إلى أن تقنع السكان بأن وجودها ليس مجرد تمرد مؤقت، وإنما يمثل نظامًا سياسيًا له حق في الاستمرار.

وفي اليمن يمكن ملاحظة الآلية نفسها بصورة مختلفة تمامًا عن العالم القديم.

فالصراع لم يعد مجرد صراع على مبنى حكومي أو مدينة؛ بل أصبح مرتبطًا بالرؤية السياسية، والهوية، والدين، والثورة، والجمهورية، والجنوب، والاستقلال، والوحدة، ومفهوم الدولة نفسه.

أي أن الصراع العسكري يتحول تدريجيًا إلى صراع على تعريف الشرعية ذاتها.


صنعاء وعدن: تشابه وظيفي لا تطابق تاريخي


من المغري تشبيه:

القدس ويهوذا ↔ عدن والسلطة المعترف بها

و:

السامرة وإسرائيل الشمالية ↔ صنعاء والحوثيين.

لكن هذا التشبيه يجب ألا يؤخذ حرفيًا.

اليمن أكثر تعقيدًا بكثير.

فاليمن لا ينقسم إلى طرفين فقط، وإنما توجد داخله مراكز وقوى ومصالح متعددة: الحوثيون، الحكومة المعترف بها دوليًا، القوى الجنوبية، المجلس الانتقالي، القوى المحلية في حضرموت والمهرة وشبوة ومأرب وغيرها، إلى جانب القوى القبلية والاجتماعية والعسكرية.

لذلك فإن المرآة الحقيقية ليست في أسماء المدن، وإنما في وظائفها السياسية:

مركز تاريخي للشرعية، ومركز منافس يمتلك قوة فعلية، ومناطق محلية تمتلك مصالحها الخاصة، ثم قوى خارجية تتدخل لحماية مصالحها.

ومن هذه الزاوية يصبح اليمن الحديث أشبه بنموذج أكثر تعقيدًا من الانقسام الإسرائيلي القديم.


الاقتصاد: عندما يتحول الانقسام إلى واقع دائم


الانقسام السياسي يمكن أن ينتهي إذا بقيت مؤسسات الدولة والاقتصاد والنظام المالي موحدة.

لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يبدأ كل طرف في بناء:

اقتصاده الخاص، وإيراداته الخاصة، ومؤسساته الخاصة، وأجهزته الأمنية، وشبكات تمويله.

عندها لا يعود الانقسام مجرد خلاف سياسي يمكن حله بقرار واحد.

بل تبدأ عملية يمكن تسميتها:

مأسسة الانقسام.

وهنا تكمن خطورة الحالة اليمنية.

فكلما طال الانقسام، نشأت مصالح اقتصادية وسياسية تستفيد من بقائه، وأصبح لبعض النخب مصلحة في استمرار الوضع القائم أكثر من مصلحتها في العودة إلى دولة مركزية موحدة.

وبذلك يتحول الانقسام من:

حالة مؤقتة

إلى:

بنية سياسية واقتصادية واجتماعية لها مصالح تحمي استمرارها.

وهذه ربما تكون أخطر مراحل الانقسام.


تعدد مراكز القوة


في الدولة الطبيعية توجد سلطة واحدة تمتلك القرار السيادي النهائي.

أما عندما تتعدد مراكز القوة، فإن الدولة تبدأ في فقدان أهم خصائصها:

احتكار القوة واحتكار القرار.

وفي اليمن توجد اليوم طبقات متعددة من السلطة والقوة والنفوذ.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:


من هو الرئيس الشرعي؟


بل أيضًا:


من يملك السلاح؟

من يسيطر على الأرض؟

من يملك الإيرادات؟

من يدير المؤسسات؟

من يستطيع حماية السكان؟

من يستطيع فرض قراراته؟

ومن يستطيع إنتاج شرعية سياسية واجتماعية لنفسه؟


وهذه الأسئلة قد تكون أهم من الشعارات السياسية نفسها في تحديد مستقبل الدولة.


العامل الخارجي: عندما يصبح الانقسام المحلي جزءًا من صراع أكبر


هنا تظهر واحدة من أخطر نقاط التشابه مع التاريخ القديم.

فإسرائيل ويهوذا لم تكونا جزيرة معزولة عن محيطها، بل كانتا تقعان بين إمبراطوريات وقوى إقليمية متنافسة.

وفي النهاية، لم يكن مصيرهما تحددهما إرادتهما الداخلية وحدها.

واليمن كذلك يقع في موقع جغرافي استثنائي:

باب المندب، البحر الأحمر، خليج عدن، بحر العرب، وقربه من الخليج والقرن الأفريقي.

ولهذا فإن اليمن ليس مجرد قضية داخلية.

إنه يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح السعودية وإيران ودول الخليج والولايات المتحدة والدول الأوروبية وغيرها.

وهنا تظهر قاعدة تاريخية خطيرة:


كلما ضعف المركز الداخلي، زادت قيمة التدخل الخارجي.


فالقوى الخارجية لا تحتاج بالضرورة إلى صناعة الانقسام من الصفر؛ أحيانًا يكفيها وجود انقسام داخلي قابل للاستثمار.

وقد يتحول الطرف المحلي من كونه لاعبًا في صراع داخلي إلى ورقة في صراع إقليمي أكبر.

وهنا يصبح استمرار الحرب مرتبطًا ليس فقط بما يريده اليمنيون، وإنما أيضًا بما تريده القوى التي ترى في اليمن جزءًا من أمنها ومصالحها الاستراتيجية.


من الآشوريين والبابليين إلى القوى الحديثة


انتهت مملكة إسرائيل الشمالية في نهاية المطاف أمام القوة الآشورية، ثم تعرضت مملكة يهوذا لاحقًا للغزو البابلي.

لكن الدرس الذي ينبغي استخلاصه ليس أن التاريخ سيعيد إرسال «آشوريين وبابليين» إلى اليمن.

الدرس الأعمق هو:

عندما يطول الانقسام الداخلي، تصبح الدولة أكثر تعرضًا لأن يعاد تشكيل مصيرها وفقًا لحسابات القوى الخارجية.

فالقوى الكبرى لا تنتظر دائمًا أن تتفق الأطراف المحلية على شكل النظام.

وقد تتدخل عندما ترى أن مصالحها الأمنية أو الاقتصادية أو الجيوسياسية تتطلب ذلك.

وهنا تصبح السيادة نفسها معرضة للتآكل تدريجيًا، ليس بالضرورة عبر احتلال مباشر، وإنما عبر:

التحالفات، والتمويل، والسلاح، والضغوط الاقتصادية، والموانئ، والممرات البحرية، والعقوبات، والوساطات، وإعادة ترتيب مناطق النفوذ.


أخطر مرحلة: عندما يصبح الخارج أكثر قدرة على التأثير من الداخل


يمكن اختصار المسار كله في سلسلة واحدة:

أزمة داخلية في الحكم

ضعف الشرعية المركزية

ظهور مراكز قوة محلية

انقسام عسكري وسياسي

انقسام اقتصادي ومؤسسي

بناء هويات وشرعيات سياسية متنافسة

اعتماد متزايد على الرعاة الخارجيين

تحول الصراع اليمني إلى جزء من صراع إقليمي

احتمال أن تصبح إعادة تشكيل الدولة مرتبطة بتوافقات القوى الخارجية أكثر من الإرادة اليمنية وحدها.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

ليس في أن اليمن قد ينقسم إلى دولتين بالضرورة، وإنما في أن اليمنيين قد يفقدون القدرة على تحديد شكل دولتهم بأنفسهم.


هل التاريخ يحكم على اليمن بالتكرار؟


لا.

وهذه نقطة جوهرية.

التاريخ ليس آلة قدرية تقول إن اليمن سيكرر بالضرورة مصير إسرائيل ويهوذا.

فالتاريخ يقدم احتمالات وتحذيرات، وليس أحكامًا نهائية.

وقد تكون المرآة التاريخية مفيدة precisely لأنها تكشف لنا المسار قبل أن يصل إلى نهايته.

إذا أدركت الأطراف اليمنية أن استمرار الانقسام يخلق مصالح اقتصادية وعسكرية وسياسية تجعل العودة إلى الدولة الموحدة أكثر صعوبة كل عام، فقد يصبح بالإمكان قطع هذا المسار.

وإذا نجحت في بناء صيغة سياسية جديدة تعالج بصورة واقعية:

توزيع السلطة، وتقاسم الموارد، وشكل الدولة، والحقوق المحلية، والقضية الجنوبية، والتمثيل السياسي، والجيش والأمن، والعلاقة بين المركز والأقاليم، والضمانات المتبادلة،

فإن المرآة التاريخية لا تصبح نبوءة، وإنما تصبح تحذيرًا تم تجنبه.


الخلاصة: المرآة لا تتنبأ، وإنما تحذر


إن التشابه بين انقسام مملكة سليمان واليمن الحديث لا ينبغي أن يفهم على أنه تطابق تاريخي أو نبوءة غيبية.

فالأشخاص مختلفون، والأديان مختلفة، والاقتصاد والتكنولوجيا والنظام الدولي مختلفون تمامًا.

لكن آليات الانقسام السياسي قد تتشابه:

مركز يضعف، وخلاف على الشرعية، وأزمة في انتقال السلطة، ومناطق تشعر بالتهميش، ومراكز قوة مستقلة، واقتصادات متنافسة، وهويات سياسية جديدة، ثم تدخل قوى خارجية تستثمر الانقسام وفق مصالحها.

ولهذا فإن الدرس الحقيقي من مملكة سليمان ليس:

«هكذا سيكون مستقبل اليمن حتمًا.»

بل:


«احذروا من الطريق الذي سلكته دول كثيرة قبلكم.»


فالدولة لا تنهار في اللحظة التي تسقط فيها عاصمتها، وإنما قد تبدأ في الانهيار قبل ذلك بسنوات، عندما تصبح شرعيتها مجزأة، ومؤسساتها متعددة، واقتصادها منقسمًا، وسلاحها موزعًا، ونخبها أكثر ارتباطًا بمصالح الخارج من ارتباطها بمشروع الدولة نفسها.

وهنا يصبح السؤال المصيري لليمن ليس:

من سينتصر على من؟

بل:

هل يستطيع اليمنيون أن يتفقوا على صيغة تجعلهم جميعًا رابحين داخل دولة واحدة، قبل أن يصبح القرار النهائي في مستقبل اليمن بيد القوى التي تقف خارج حدوده؟

فالتاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا.

لكنه أحيانًا يضع أمامنا المرآة نفسها، وينتظر أن نقرر: هل نتعلم مما نراه فيها، أم نعيد المشهد بأسماء جديدة؟


مرآة التاريخ: كيف تكشف انقسامات مملكة سليمان بعض مسارات مصير اليمن الحديث

 مرآة التاريخ: كيف تكشف انقسامات مملكة سليمان بعضَ مسارات مصير اليمن الحديث؟ بقلمي:  م/ الدبعي على احمد - اغسطس 2026 التاريخ لا يعيد نفسه با...