الخميس، 18 يونيو 2026

واخرين مقرنين في الاصفاد - قراءة حديثة

 


"وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ": هل كانوا أسرى مقيّدين أم فئة متخصصة من القوى المسخّرة لسليمان؟


بقلمي:  الدبعي على احمد - يونيو 2026


تُعد الآيات التي تتحدث عن مُلك النبي سليمان من أكثر النصوص القرآنية إثارة للتأمل، لما تصفه من تسخير قوى متنوعة له لم تُمنح لأحد من قبله. ومن بين هذه الآيات قوله تعالى:


﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ ۝ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ۝ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ۝ هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (ص: 36-39).


والتفسير الشائع لهذه الآيات يرى أن "الآخرين المقرنين في الأصفاد" هم شياطين متمردون أو عصاة، قُيّدوا بالسلاسل والأغلال عقوبةً لهم أو لمنعهم من الإفساد والهروب.

لكن هل هذا هو المعنى الوحيد الممكن للنص؟


التفسير الموروث


ذهب كثير من المفسرين إلى أن المقصود:


شياطين تم أسرهم وربط بعضهم إلى بعض.


أو أنهم قُيّدوا بالأغلال والسلاسل الحديدية.


أو أنهم كانوا يُعاقبون بسبب عصيانهم أو تمرّدهم.


ويستند هذا الفهم إلى أن كلمة "الأصفاد" تُستخدم في العربية للدلالة على القيود والأغلال، كما في قوله تعالى:


﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ (غافر: 71).


وبناءً على ذلك فُهمت الآية على أنها تصف فئة من الشياطين الخاضعين بالقوة لسلطان سليمان.


قراءة أخرى للسياق


إلا أن التأمل في تسلسل الآيات يفتح احتمالاً آخر.

فالآيات لا تتحدث عن العقوبات أو السجون، بل تسرد سلسلة من القوى والوسائل التي سُخّرت لسليمان:


الريح.


شياطين البناء.


شياطين الغوص.


آخرون مقرنون في الأصفاد.


ثم يأتي التعقيب: ﴿هَٰذَا عَطَاؤُنَا﴾.


فالسياق العام يبدو أقرب إلى تعداد الموارد والإمكانات المسخرة ضمن منظومة الملك، لا إلى الانتقال المفاجئ للحديث عن سجناء أو معاقَبين.

ومن هنا يمكن طرح فرضية مفادها أن:

"الآخرين المقرنين في الأصفاد" قد يكونون فئة أخرى من الكائنات أو القوى العاملة في مملكة سليمان، تتميز بصفة الاقتران والارتباط الجماعي، تماماً كما تميز البناؤون بالبناء والغواصون بالغوص.


ماذا يعني "مقرنين"؟


الجذر اللغوي (ق ر ن) يدل على الربط والضم والمصاحبة.

يقال:


قرن الشيء بالشيء.


اقترن به.


قرن الدابة بأخرى.


ومن ثم فإن كلمة "مقرنين" لا تدل بالضرورة على العقوبة، بل قد تدل على كون الأشياء أو الكائنات مرتبطة بعضها ببعض.

وقد استُخدمت مادة "الاقتران" في العلوم الحديثة للدلالة على الربط الوظيفي بين أجزاء تعمل كوحدة واحدة (Coupling).

وبهذا المعنى يمكن تصور أن هؤلاء:


يعملون في مجموعات مترابطة.


أو في تشكيلات متصلة لا تؤدي وظائفها إلا مجتمعة.


أو أنهم وحدات متلازمة ذات مهام تحتاج إلى تنسيق جماعي خاص.


ماذا عن "الأصفاد"؟


التفسير التقليدي يفهم الأصفاد باعتبارها أغلالاً وسلاسل.

لكن من الناحية اللغوية فإن الأصل في الصفد هو الربط والإحكام والتوثيق.

ومن ثم يمكن تصور أن كلمة "الأصفاد" تصف وسيلة الاقتران والارتباط بين تلك الوحدات أو الكائنات، دون أن يكون المقصود بالضرورة عقوبة أو سجناً.

وهذا الاحتمال يظل لغوياً ممكناً، وإن كان غير مشهور في كتب التفسير.


قرينة "هذا عطاؤنا"


من أبرز ما يدعم هذه القراءة السياق اللاحق مباشرة:


﴿هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾


فعبارة "هذا عطاؤنا" تبدو وكأنها تشير إلى جميع ما سبق ذكره من قوى وإمكانات:


الريح.


البناؤون.


الغواصون.


الآخرون المقرنون في الأصفاد.


أي أن الجميع يدخل ضمن دائرة العطاء الإلهي والتمكين الملكي.

أما إذا كانوا مجرد سجناء أو معاقَبين، فقد يرى بعض الباحثين أن إدراجهم ضمن قائمة العطايا يحتاج إلى تفسير إضافي.


منظومة متعددة التخصصات


عند جمع الآيات المتعلقة بسليمان نجد تنوعاً كبيراً في القوى العاملة ضمن مملكته:


﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (سبأ: 12).


﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ﴾ (سبأ: 13).


﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ (النمل: 39).


﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ﴾ (النمل: 17).


وتظهر هذه النصوص تعدد الفئات والاختصاصات داخل منظومة الملك السليماني.

ومن هنا يمكن النظر إلى "الآخرين المقرنين في الأصفاد" باعتبارهم فئة ذات وظيفة مميزة ضمن هذا النظام الواسع، لا مجرد متمردين مقيدين.


الخلاصة


التفسير الموروث يرى أن "الآخرين المقرنين في الأصفاد" شياطين مقيدون بالأغلال عقوبةً أو ضبطاً لهم، وهو الفهم الأشهر في كتب التفسير.

أما القراءة البديلة فتقترح أن الآية قد تصف فئة أخرى من الكائنات أو القوى المسخّرة لسليمان، تتميز بكونها "مقرنة" أو مرتبطة ببعضها ارتباطاً وظيفياً، وأن ذكرها جاء ضمن تعداد العطايا والقدرات التي منحها الله لسليمان، إلى جانب الريح والبنّائين والغواصين.

ويبقى هذا الفهم اجتهاداً تفسيرياً يحتاج إلى مزيد من الدراسة اللغوية والسياقية، ولا يرقى وحده إلى الجزم بمعنى الآية، لكنه يلفت الانتباه إلى أن لفظتي "مقرنين" و**"الأصفاد"** قد تحتملان دلالات أوسع من مجرد صورة السلاسل والأغلال المتداولة في التفسير التقليدي.


ليست هناك تعليقات: