الخميس، 9 يوليو 2026

اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله. .قراءة حديثة

#  قراءة. حديثة في "أزمة الشهادة" عند المنافقين

**بقلم: الدبعي على احمد -يوليو 2026


في قلب الخطاب القرآني، نجد أن كل كلمة ليست مجرد مفردة في معجم، بل هي "حجر زاوية" في بناء هندسي محكم. ومن هذا المنطلق، تبرز آية سورة المنافقين: **﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾**، 

ليس كمجرد آية سردية، بل كوثيقة نفسية ومنطقية تكشف "الصدع" في شخصية المنافق.


### أولاً: إشكالية "الرابط" وبلاغة الانفصال

عند قراءة الآية بعين الممحص، نلاحظ فجوة لغوية؛ فالفعل "قالوا" جاء مجرداً من "الفاء" التعقيبية، بينما اقتضى السياق (شرط وجواب) وجودها لضمان التماسك. في بلاغة القرآن، نجد "الفاء" في مواضع أخرى كقوله تعالى: **﴿إِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾**، حيث "فقل" هنا رابط عضوي يشي بالاستجابة الفورية والصدق الباطني.

إن غياب هذا الرابط في آية المنافقين يفتح باباً للتأويل؛ أهو ضعف في الترابط؟ أم هو "إعجاز تصويري"؟ إنني أرى أن هذا "الانفكاك" اللغوي هو المرآة التي تعكس تفتت شخصية المنافق، حيث لا يوجد رابط حقيقي بين "المجيء" (الفعل الظاهري) و"القول" (الشهادة اللسانية).


### ثانياً: "نَشْهَدُ" مقابل "نَعْلَمُ".. فخ الكلمة

تكمن العقدة في اختيارهم لفعل "نَشْهَدُ". إن "الشهادة" لغةً وعرفاً تقتضي الحضور والمعاينة والتحقق البصري أو الوجداني العميق. وبما أن المنافقين لم يشهدوا لحظة الاصطفاء الإلهي ولم يعاينوا سر الرسالة، فقد أوقعوا أنفسهم في "كذبة لغوية".بقصد او بدون قصد منهم. 


لو قالوا: "نَعْلَمُ أنك لرسول الله" لكان قولهم إخباراً عن حالة ذهنية علموا بها  (صدقوا فيها أو كذبوا)، لكنهم حين قالوا "نَشْهَدُ"، فقد ادعوا ما لا يملكون أداةً لإثباته. هذا التوظيف الخاطئ للفعل هو السبب الجوهري الذي جعل القرآن يسمهم بالكذب، لا لأن الرسالة باطلة (فالرسالة حق والرسول حق)، بل لأن "شهادتهم" هي الباطل بذاته قولا وعملا منهم. 


### ثالثاً: جدلية "والله يعلم" و"والله يشهد"

تثير العبارات المتتالية حيرة القارئ: **﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾**.

إن "والله يعلم" تأتي هنا كمرجعية إلهية عليا تفصل بين الحقائق. فالرسالة حقيقة قائمة بذاتها، لا تحتاج لشهادة المنافقين. أما "والله يشهد أن المنافقين لكاذبون"، فهي الشهادة الحقيقية التي لا تتوقف عند حدود هذا القول، بل تشهد على "تاريخ الكذب" المتأصل في سلوكهم ؛ حيث اعتادوا إظهار ما لا يبطنون، وجعلوا من القول جسراً يعبرون به فوق قناعاتهم الحقيقية.


### رابعاً: الاستنتاج المنطقي

إن تسليمنا بأن كلمة "يشهد" قد تأتي في القرآن بمعنى الإخبار أو التقرير، لا ينفي أنها في هذا الموضع تحديداً أريد بها "المعنى الأخص" (الحضور واليقين). وعليه، فإن هيكلية الآية تدلنا على أن المنافقين حين أرادوا إرضاء النبي، اختاروا أقوى أفعال اليقين (نشهد)، فكان اختيارهم "أكبر من حجمهم" ومن حجم معرفتهم، فجاء الرد الإلهي ليضعهم في قفص الاتهام الذي صنعوه بأنفسهم: كاذبون في شهادةٍ لم يحضروها، وكاذبون في قولٍ لم يستشعروا صدقه.


**خاتمة:**

إن تأمل هذه الآية يثبت لنا أن القرآن لا يُقرأ فقط بالنظر إلى دلالة المفردات، بل بوزن "النظم" وتفكيك الروابط. إن غياب "الفاء" واختيار "نشهد" بدلاً من "نعلم"، ليس مجرد صياغة، بل هو "صورة لغوية" تتجسد فيها حالة الفصام النفسي للمنافق، الذي يتحدث بلغة لا يملك مقوماتها، ويؤدي طقساً لا يصدق في جوهره.


ليست هناك تعليقات:

اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله. .قراءة حديثة

#  قراءة. حديثة في "أزمة الشهادة" عند المنافقين **بقلم: الدبعي على احمد -يوليو 2026 في قلب الخطاب القرآني، نجد أن كل كلمة ليست مجر...