الأربعاء، 19 أغسطس 2026

أمنت أنه لا اله الا الذي امنت به بنو اسرائيل - قراءة حديثة

## غروب الكبرياء على لُجّة اليم: قراءة نفسية وبيانية في مشهد الاحتضار الفرعوني


### إشراقة استهلالية

حين يرتطم الإنسان بصخور الحقيقة المطلقة، وتتكسر عند أطرافها أوهام السلطة والزيف، ينكشف جوهره العاري بلا رتوش. وفي مشهد طغيان فرعون ونهايته الغارقة في لجج اليم، يقف المتأمل أمام آية قرآنية عظيمة ترسم بدقة مذهلة تفاصيل النفس البشرية وهي تحتضر:

﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُه بغيًا وَعَدْوًا حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90].


### التفسير الموروث: توبة مضطرة في رغما عن أنف فرعون. 

في الموروث التفسير؛ ذهب المحققون من المفسرين إلى أن هذه اللحظة هي لحظة إقرار اضطراري لا ينفع صاحبه، لأن الإيمان عند الغرغرة وتحقيق الهلاك لا يُقبل. كما بينت الآيات اللاحقة رد الخالق جل وعلا عليه: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُسْفِدِينَ﴾. فالإيمان الحق هو ما كان اختياراً وطاعة في حال السعة، لا فراراً واستسلاماً تحت وطأة الموت.


### التأمل المقترح: فرعون والمناورة بالألفاظ حتى آخر رمق

من خلال التأمل العميق في بنية النص القراني وسياق العقلية الفرعونيّة البراغماتية، يتجلى لنا بُعد آخر دقيق وغاية في العمق؛ فرعون لم يكن مجرد طاغية يلفظ أنفاسه الأخيرة باستسلام مطلق ، بل كان **مخادعاً متلاعباً بالأسماء والمدلولات حتى تحت أمواج الموت**. ويمكن إبراز هذا الإشراق الفكري في المحاور الآتية:

#### 1. اللعب على حبال تعدد الأسماء والمواقع

لم يدعُ فرعون لنفسه الألوهية المطلقة بمعزل عن الآلهة، بل كان دقيقاً في اختيار لقبه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. كلمة "الرب" في لغة القوم تعني السيد والمشرّع والمدبر السياسي الأعلى الذي تحته أرباب مصر. ولأنه عاش في بيئة عقدية تعج بتعدد الأسماء والوظائف الإلهية، كان يعلم تماماً أن ثمة فارقاً كبيراً بين (الله، والرحمن، ورب موسى). وحين حاصرته أهوال اليم، أدرك أن هناك إلهاً قهاراً استطاع أن يشق البحر وينجي موسى وهارون وبني  اسرائيل  .


#### 2. منطق النجاة بالتبعية والتشفع بـ "الإله الناجي"

لماذا اختار فرعون هذه العبارة المحددة: ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل (الله) أو (رب موسى)؟

لقد أراد أن يستشفع بـ "الإله الذي ثبتت نجاح دينه ونجاة أتباعه للتو". في العقلية السياسية الوثنية، القوة والنجاة دليل الغلبة.


 وكأن فرعون – بكبريائه المكسور وترفعه عن الاعتراف برب موسى صراحةً – أراد أن يمسك بـ "بطاقة مرور عامة" تضمن له النجاة، متعذراً بإله بني إسرائيل دون أن يضطر للاعتراف المباشر برب موسى أو بتوحيد الخالص الذي حاربه طوال عمره.


#### 3. الهروب من التسمية المحددة

وسط اضطراب الألفاظ والجهل بالهوية المطلقة للإله الحق في تصوره الاعوج، تجنب فرعون الوقوع في خطأ تسمية إله قد لا يكون هو المسيطر في تلك اللحظة، فاستخدم الاسم الموصول(لا اله الا الذي امنت به بنو اسرائيل )  كصيغة احتوائية وهروبية تضمن له التوفيق مع كل الاحتمالات، تفادياً لأي خطأ بروتوكولي في معركة الموت الأخيرة.


### خاتمة

هذا التصوير القراني البديع يكشف لنا كيف تتراجع الأدلجة والغطرسة أمام قسوة الواقع، وكيف يبقى الإنسان المتلاعب أسيراً لحياله وألفاظه حتى وأمواج البحر تطبق على صدره، لتبقى الآيات شاهدة على عمق النفس البشرية في أشد مواطن الضعف والانهيار.


أمنت أنه لا اله الا الذي امنت به بنو اسرائيل - قراءة حديثة

## غروب الكبرياء على لُجّة اليم: قراءة نفسية وبيانية في مشهد الاحتضار الفرعوني ### إشراقة استهلالية حين يرتطم الإنسان بصخور الحقيقة المطلقة،...