السبت، 5 سبتمبر 2026

العلاقة بين التسمية والماهية ،لإبليس وفرعون

 بين التسمية والماهية- فلسفة الأعلام القرآنية وتجريد الطغاة من ألقاب التبجيل.

بقلمي: الدبعي على احمد -سبتمبر 2026

تلك حكمةٌ بالغةٌ تلوح في بنية النص القرآني، لا تكتفي بسطْ الأخبار أو حكاية الأسماء، بل تنفذ إلى ما وراء اللفظ من دلالات، وتجعل من التسمية مرآةً صادقةً للماهية، ومن العلم حُكماً قاطعاً على الجوهر. ففي سير البشر، تُمنح الألقاب غالباً على نحو ما يرضي هوى المادحين أو طمع المتملقين، فيُخلع على الطغاة من صفات المجد والنورانية ما لا يستحقون، ويُزين لهم أتباعهم من أسماء التعظيم ما يشوه الحقائق. لكن العليم الخبير، سبحانه، إذ يروي أخبار الأولين، لا يُجري على ألسنتهم ما تداوله الناس من ألقاب وهمية، بل يختار لهم من الأعلام ما يُوافق حقيقتهم، ويُجسد مصيرهم، ويكشف عن خبيئة نفوسهم؛ ليكون الاسم برهاناً، واللفظ فُرقاناً.


ولنقف عند أوّل نموذجٍ تجلّت فيه هذه المطابقة بين الاسم والصفة: "إبليس". ذلك الكائن الذي طوته بعض الأساطير القديمة بألقاب النور والرفعة، جاء القرآن ليُطلِق عليه هذا العلَم المشتقّ من "الإبلاس"، وهو في اللغة انقطاع الحجة، ويأس النفس، وتحيرها بعد زلل لا رجعة فيه. فما كان اسماً تُعرف به الذات في هويتها الأولى، بل صار حكماً على سلوكها، وتصنيفاً لوظيفتها في المشهد الكوني؛ إذ أبلس من الرحمة، وانقطع عن الخير، وتاه في غيّه، فجاء لفظه مطابقاً لفعله، دالاً على عاقبته، لا منقوصاً من قدره ولا مُضفياً عليه من المهابة ما لم يكُ له.


وعلى النهج نفسه، يبرز علَم "فرعون"، إذ لم يقف النص عند كونه لقباً ملكياً متداولاً في حضارة النيل، بل صاغه في سياق الوحي ليكون رمزاً للعلوّ والاستكبار، وتجسيداً لسلطة البغي التي تنسف الحق وتستخِف بالعقول. وقد جرّده الذكر الحكيم من كل الأوصاف التي تغالى فيها قومه، وأثبت عليه هذا العلَم عُريّاً من التمجيد، حتى غدا مصطلحاً يختزل فلسفة الطغيان المتكررة في كل زمان، لا اسماً لشخص بعينه فحسب.


ولا تقف الحكمة عند هذين الأنموذجين، بل تمتد إلى أعلام شتى، كلٌّ منها ناطق بحقيقته:


فأبو لهب – ولم يُذكره القرآن باسمه المعروف في قومه "أبو عتبة" – جاء لقباً يلفظ بوهج النار، ويصرح بمصيره المحتوم، فلا وساطة نسبٍ ولا سيادة منصبٍ تمنحه وقاراً أمام كشف الوحي.


والسامري – إذ أُهمل اسمه الفردي، وأُلصق به هذا الوصف النسبي – صار علماً على الانحراف والابتداع، يحيل إلى صنيعه في العجل وفتنته، فصارت التسمية حكايةً لسلوكه لا سمةً لهويته.


وقارون – على ما أوتي من كنوز ومنعة – حمل اسماً اختزل البغي والاستعلاء بالنعم، فكانت التسمية ذاتها نذيراً بالخسف، وإنذاراً لمن يظن أن المال يقي منزلة العاقبة.


تلك الأعلام، إذن، ليست مجرد مفرداتٍ عابرة رُويت في أخبار الأمم، بل هي اختيارٌ إلهي محكمٌ يُعيد ترتيب الوعي الإنساني، ويُعلّمنا أن ننظر إلى الأشياء بجوهرها لا بمظاهرها، وأن نجرد أهل الباطل من كل لقبٍ يُوهم فضيلة أو يُشيع تبجيلاً، فما أصدق لسان الوحي حين يجعل اللفظ مرآةً للجوهر، وما أبلغ فلسفته حين يمحو عن الطغاة أسمائهم المزيفة، ويثبت عليهم أعلامهم الصادقة، ليكون في ذلك عبرةٌ للبصائر، وهدىً للقلوب، أن القيمة ليست بما يُنادى به المرء، بل بما يُنادي به فعله.

ليست هناك تعليقات:

العلاقة بين التسمية والماهية ،لإبليس وفرعون

 بين التسمية والماهية- فلسفة الأعلام القرآنية وتجريد الطغاة من ألقاب التبجيل. بقلمي: الدبعي على احمد -سبتمبر 2026 تلك حكمةٌ بالغةٌ تلوح في ب...