سورة العصر... هل تختبئ المنجاة في كلمة العصر ؟
بقلم: المهندس علي أحمد الدبعي - سبتمبر 2026
من السور القصيرة التي حفظها المسلمون منذ طفولتهم سورةٌ لا تتجاوز ثلاث آيات، ولكن قِصرها لم يمنعها من أن تحمل معنى واسعًا من معاني الوجود الإنساني:
﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
وقد استقر التفسير الموروث على أن العصر هو الزمن، وقيل خصوص آخر النهار، وقيل الدهر أو العصر من عصور التاريخ، وقيل صلاة العصر. وعلى هذا الفهم يكون القسم بالزمن أو بالعصر شاهدًا على حقيقة كبرى: أن الإنسان واقع في الخسران، إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر.
وهذا المعنى الموروث متماسك في ذاته، ولا إشكال في أن يكون الزمن شاهدًا على حال الإنسان؛ فالإنسان يعيش عمره في الزمن، وكل لحظة تمضي تأخذ من عمره شيئًا.
لكن ماذا لو كانت الكلمة تحتمل، في العربية القديمة، حركة أخرى تفتح أمام السورة بابًا اخر دلاليًا مختلفًا؟
كلمة واحدة... وحركة واحدة
المادة اللغوية «ع ص ر» ليست محصورة في معنى الزمن.
فالمعاجم العربية تذكر ألفاظًا من هذه المادة بمعانٍ متعددة، ومن بينها «العُصْر» بضم العين، بمعنى:
الملجأ والمنجاة.
وهنا تبدأ الفكرة التي تستحق التأمل.
فلو قرأنا بداية السورة:
﴿وَالْعُصْرِ﴾بضم العين
بدل القراءة المشهورة:
﴿وَالْعَصْرِ﴾
فإن معنى الآية يمكن أن ينتقل من:
الزمن او الدهر
إلى: الملجأ والمنجاة.
وهنا لا نتحدث عن اختراع معنى للكلمة من عندنا؛ فمعنى العُصْر بهذا الضبط مذكور في اللغة العربية.
لكن يبقى السؤال الأهم:
هل كانت هذه قراءة قرآنية منقولة بالفعل؟
حتى الآن لا يجوز أن نقول ذلك.
فالذي ثبت لنا هو وجود هذا المعنى في العربية، أما إثبات أنه كان قراءة قرآنية مقصودة لسورة العصر فيحتاج إلى دليل تاريخي مستقل من القراءات أو الروايات أو المخطوطات القديمة.
وهنا يجب أن نكون دقيقين؛ لأن الفرق كبير بين:
إمكان لغوي
و قراءة قرآنية موروثة
و قراءة قرآنية أصلية محتملة.
ولكن انظروا إلى الآية التالية!
المثير في الأمر أن الآية التالية تقول:
﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
والقراءة المشهورة هي:
خُسْر بضم الخاء.
والخُسر في العربية هو النقصان والهلاك وسوء العاقبة وضياع رأس المال.
وهنا يظهر تقابل دلالي شديد القوة:
العُصْر = المنجاة والملجأ ،في مقابل:
الخُسْر = الهلاك والخسران.
فتصبح بنية السورة، وفق هذه الفرضية:
والمنجاة... إن الإنسان لفي خُسر...
ثم تأتي الآية الثالثة مباشرة لتبين من هم الذين لا يدخلون في ذلك الخسر:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
وكأن السورة، في هذه القراءة، تنتظم في ثلاث حركات متتابعة:
الخسر → المنجاة → صفات أهل المنجاة.
وهذه ملاحظة أدبية ودلالية تستحق التوقف عندها.
ولماذا يبدو تركيب السورة لافتًا؟
لأن السورة لم تقل فقط:
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾
بل أضافت ثلاثة أمور أخرى:
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
ثم:﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ ثم:﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
وكأنها لا تكتفي بتحديد أن الإنسان خاسر، ولا تكتفي بإخباره بوجود النجاة، وإنما ترسم له طريق النجاة.
الإيمان في الداخل.
والعمل الصالح في الواقع.
والحق في العلاقة مع الآخرين.
والصبر على طريق الحق.
ومن هنا يصبح الانتقال من العُصْر بمعنى المنجاة إلى ذكر صفات الناجين انتقالًا ذا انسجام دلالي لافت.
هل تلغي هذه الفرضية التفسير الموروث؟
ليس بالضرورة.
وهنا ينبغي ألا نستعجل.
فحتى لو ثبت في المستقبل أن العُصْر كان احتمالًا قرائيًا قديمًا، فهذا لا يعني بالضرورة أن معنى العَصْر = الزمن باطل.
بل قد يكون أمامنا احتمال أوسع:
أن تكون البنية الصوتية للنص العربي قد حملت إمكانات دلالية متعددة، ثم استقر التداول القرآني على قراءة معينة، بينما بقيت بعض الإمكانات اللغوية في طبقات العربية والمعاجم.
وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر من سورة العصر نفسها:
هل كانت بعض الكلمات القرآنية تحتمل أكثر من طبقة دلالية تبعًا لحركتها الصوتية، مع بقاء الرسم العربي القديم قادرًا على استيعاب تلك الاحتمالات ؟! من يدرى !
معلومات اضافية هامة من معاجم اللغة :
1- العَصْر (بفتح العين - عَصْر)
هو اللفظ الأشهر والأكثر استخداماً، وله عدة معانٍ في المعاجم: [
الدهر والزمن: الوقت الممتد، والجمع (عُصور وأعْصُر وأعْصَار). ومنه قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}.
الوقت المخصوص: وهو وقت صلاة العصر (ما بين زوال الشمس إلى غروبها).
العشي أو آخر النهار: يقال آتيك عَصْراً أي عشيّاً.
المَطَر: يُقال عَصَرَ الغيثُ الأرضَ أي سقاها.
العَطية: العَصْر هو العطاء والمنفعة.
العشيرة والرهط: يُقال هم عَصْري أي عشيرتي الذين أعتز بهم.
العَصْران: يُطلق هذا المثنى على (الليل والنهار)، أو (الغداة والعشي)، أو صلاتي (الظهر والعصر).
2. العُصْر (بضم العين - عُصْر أو عُصُر)
ذكرت المعاجم (كالفراء واللحياني وابن منظور) أن ضم العين لغة في فتحها في بعض المعاني:
الدهر والزمن: وهي لغة صحيحة بمعنى "العَصْر". ومثله قراءة بعضهم وعزفه في الشعر كما قال امرؤ القيس:
وَهَلْ يَنْعِمَنْ مَنْ كَانَ فِي العُصُرِ الخَالِي
المَنجاة والملجأ: ويُقال أيضاً فيها العُصْرة (بوزن نُصرة)، وهي الشيء الذي تعتصم به وتلتجئ إليه لتنجو.
3. العِصْر (بكسر العين - عِصْر)
تأتي بكسر العين وسكون الصاد، ولها معانٍ محددة:
الدهر أيضاً: حكاها اللحياني في "لسان العرب" كلغة رابعة في الدهر (عَصْر، عُصْر، عُصُر، عِصْر).
الملجأ والملاذ: يُقال: عِصْر وعِصْرة (بكسر العين) وهو الموضع الذي يحتمى فيه الشخص أو يلجأ إليه.
امتداد لغوي للفعل: تأتي كذلك في سياق الامتناع والاحتفاظ بالشيء، فيُقال "اعتصر المال" أي حبسه ومنعه
++ واذا قال : ان الانسان لفى( عسر ) ،لكانت كلمة : واليسر انسب كلمة