**فرعون وملؤه من «العالين»؟**
*قراءة مغايرة في قصة السلطة القادمة من العلو*
**بقلم: المهندس علي أحمد الدبعي بالتعاون مع ال AI
هناك أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها عندما تُوضع داخل شبكة النصوص القديمة تفتح أبوابًا واسعة للتأمل. ومن هذه الأسئلة: هل كان فرعون في التصور القرآني مجرد إنسان بشري استولى على الحكم، ثم استكبر وطغى، أم أن وراء شخصيته وملئه طبقة أقدم من التصور—تصور جماعة «عالية» أو «علوية» جاءت إلى الأرض، واستولت على شعوب بشرية، ثم تعاملت معها باعتبارها طبقة أدنى؟
لا أقدم هذه الفكرة باعتبارها حقيقة تاريخية مثبتة، وإنما باعتبارها فرضية بحثية تستحق أن تُفحص من داخل القرآن، ثم تُقارن بالتوراة وبقايا التصورات الدينية في الشرق الأدنى القديم. واللافت أن أول مفتاح لهذه الفرضية قد لا يكون في قصة فرعون أصلًا، وإنما في قصة إبليس.
**«أم كنت من العالين؟»**
يقول القرآن:
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: 75].
السؤال القرآني هنا لافت: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾. لم يقل النص: «أم كنت من المستكبرين؟»، وإنما استخدم «العالين». وقد يكون المعنى ببساطة: المتكبرين المستعلين، وهذا هو الاتجاه الغالب في التفسير الموروث. لكن السؤال الذي يستحق إعادة الفحص هو: لماذا اختيرت كلمة «العالين» تحديدًا؟
«العالين» من العلو، والعلو قد يكون معنويًا: رفعة ومكانة وسيادة، وقد يكون في بعض السياقات ذا دلالة مكانية أو طبقية: من هم في الأعلى مقابل من هم في الأسفل. وهنا تظهر كلمة أخرى في السورة نفسها:
﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص: 69].
إذن نجد في السياق نفسه: (الملأ الأعلى — العالين — إبليس — آدم). ولا يعني هذا تلقائيًا أن «العالين» هم «الملأ الأعلى»، لكن التشابه البنيوي يستحق الدراسة. فهل «العالون» مجرد وصف أخلاقي للمتكبرين؟ أم أن الكلمة تحتفظ أيضًا بذكرى تصور أقدم عن جماعة ذات علو ومكانة فوق بقية المخلوقات؟
**من «العالين» إلى «علا في الأرض»**
عندما ننتقل إلى فرعون، تظهر مفردة أخرى شديدة الأهمية:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾ [القصص: 4].
مرة أخرى نجد العلو، لكن هذه المرة: «علا في الأرض». والقراءة التقليدية واضحة: فرعون استكبر وتجبر وتسلط. لكن يمكن أن نسأل سؤالًا آخر: إذا كان القرآن قد وصف إبليس بأنه ربما كان من «العالين»، ثم وصف فرعون بأنه «علا في الأرض»، فهل نحن أمام مجرد تشابه لغوي عابر، أم أمام حقل دلالي يستحق أن يُدرس؟
خصوصًا أن فرعون لم يكن في النص مجرد رجل مستبد، بل يمثل طبقة سلطوية كاملة: (فرعون — الملأ — هامان — الجنود — السلطة — الاستضعاف — إخضاع أهل الأرض). وهنا تظهر الفرضية: ربما لم يكن فرعون في التصور القصصي مجرد فرد طاغٍ، بل ممثلًا لطبقة عليا تتعامل مع سكان الأرض باعتبارهم أدنى منها.
**«أنا ربكم الأعلى»**
ثم يصل فرعون إلى أخطر مرحلة:
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24].
لاحظوا الكلمة: «الأعلى». لدينا إذن في متن القصة: (العالين — الأعلى — علا في الأرض — الملأ الأعلى). لا يكفي هذا لإثبات علاقة تاريخية بينها، لكنه يجعل حقل العلو عنصرًا يستحق الدراسة في قصة السلطة والتمرد. وفرعون لا يكتفي بالاستعلاء السياسي، بل يرفع نفسه إلى أعلى مرتبة دينية: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وكأن الاستعلاء السياسي انتهى إلى استعلاء كوني.
**«ما علمت لكم من إله غيري»**
ويقول أيضًا:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38].
وهنا تتضح بنية أخرى؛ ففرعون لا يخاطب شعبه فقط، وإنما يخاطب «الملأ»، أي أن خلفه جماعة من أصحاب السلطة والنفوذ. وهذا يجعلنا نعيد النظر في عبارة «ملأ فرعون». فإذا كان فرعون يمثل الرأس، فإن «الملأ» يمثلون الطبقة التي تساعده على إدارة النظام والسيطرة على البشر. ومن هنا يمكن تصور الفرضية في صورتها الأكثر اتزانًا: فرعون وملؤه ليسوا بالضرورة فردًا وجماعة بشرية عادية، وإنما قد يكون النص محتفظًا بصورة قديمة لطبقة علوية حاكمة للبشر.
**«أسباب السماوات»**
ومن أكثر المقاطع إثارة للتساؤل قول فرعون:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: 36–37].
وفي سورة القصص:
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ﴾ [القصص: 38].
في القراءة التقليدية، هذا تحدٍّ لموسى وسخرية منه. لكن في القراءة الافتراضية المقترحة هنا، تستحق عبارة «أسباب السماوات» وقفة مختلفة: لماذا يتحدث فرعون عن السماء وطرق الوصول إليها؟ هل هو إنسان أرضي يريد أن يصل إلى عالم سماوي؟ أم أن الشخصية نفسها تحتفظ، بصورة أسطورية أو رمزية، بذاكرة عن علاقة سابقة بين الحاكم الأرضي والعالم السماوي؟ السؤال يبقى مفتوحًا.
**التوراة: أبناء الله وبنات البشر**
وعندما نغادر القرآن إلى التوراة، نجد نصًا بالغ الأهمية في سفر التكوين:
*«رأى أبناء الله بنات الناس أنهن حسنات، فاتخذوا لأنفسهم نساء...»*
ثم يظهر في السياق: *النفليم، والجبابرة ومشاهير القدم*. المهم هنا ليس إثبات أن هؤلاء هم فرعون وملؤه، بل إن النص التوراتي القديم يحتفظ بتصور واضح عن تمييز بين فئة تسمى *أبناء الله* وفئة تسمى *البشر*. أي أن العالم القديم كان يعرف تصورًا عن وجود: (كائنات علوية/إلهية أو سماوية ↔ بشر أرضيين)، وهاتيك نقطة جوهرية عند مقارنة قصة فرعون بتلك التصورات.
**«أبناء العلي»**
وفي التراث العبري نجد كذلك تعبيرات مرتبطة بـ *العلي (ʿElyon)*، أي «الأعلى». وفي المزمور 82 تظهر صورة شديدة الأهمية:
*«الله قائم في مجمع إيل، وفي وسط الآلهة يقضي.»*
ثم:
*«أنا قلت إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم.»*
ثم يخاطبهم:
*«لكن مثل الناس تموتون.»*
هذه الصورة تفتح أمامنا عالمًا دينيًا قديمًا لا يقوم فقط على تصور الإله والإنسان، وإنما يعرف كذلك مجلسًا من الكائنات الإلهية أو السماوية. والأهم أن هؤلاء «أبناء العلي» يرتبطون بالحكم والقضاء. فإذا وضعنا هذا بجوار (العالين — الملأ الأعلى — الأعلى)، فإن المقارنة تصبح جديرة بالدراسة، حتى لو لم نستطع إثبات التطابق بين المصطلحات.
**«العلي» وتقسيم الأمم**
وفي سفر التثنية (الإصحاح 32) توجد قراءة نصية قديمة، محفوظة في تقاليد نصية أقدم من النص الماسوري المتداول، ترتبط بفكرة أن «العلي» يقسم الأمم وفق عدد أبناء الله/الكائنات الإلهية.
وهذه الصورة شديدة الأهمية في موضوعنا؛ لأنها تقدم تصورًا للعالم الأرضي باعتباره عالمًا يمكن أن يكون واقعًا تحت إدارة أو توزيع قوى علوية. وبذلك يصبح سؤالنا أكثر تحديدًا: إذا كانت بعض تقاليد الشرق الأدنى القديم تعرف «عالمًا علويًا» له سلطة على العالم الأرضي، فهل يمكن أن تكون قصة فرعون إحدى الصيغ المتأخرة التي بقيت فيها ذاكرة عن حاكم ينتمي إلى تلك الطبقة أو يدعي الانتماء إليها؟
**الشرق الأدنى القديم: آلهة السماء وملكية الأرض**
وعندما نصل إلى حضارات بلاد الرافدين، نجد بنية دينية تشبه هذا العالم بصورة لافتة. ففي الميثولوجيا السومرية والبابلية:
* توجد آلهة عليا مرتبطة بالسماء.
* توجد مجالس للآلهة.
* توجد مراتب بين القوى الإلهية.
* ترتبط الملكية الأرضية بالمشروعية السماوية.
* يظهر الإنسان في بعض الأساطير بوصفه مخلوقًا يؤدي أعمالًا كانت الآلهة تحتاج إليها.
ولا يعني هذا أن "الأنوناكي" كانوا كائنات فضائية، كما تزعم بعض القراءات الحديثة غير الأكاديمية؛ بل المقصود هنا شيء أضيق وأهم: الشرق الأدنى القديم كان يعرف بالفعل تصورًا عن قوى علوية/إلهية، وعن نزول السلطة السماوية إلى الأرض، وعن علاقة بين العالم الإلهي والملكية البشرية. وهذا هو الجزء الذي يهم فرضيتنا.
**وماذا عن مصر؟**
هنا تصبح المقارنة أكثر حساسية. فالفرعون المصري لم يكن في العقيدة المصرية القديمة مجرد موظف سياسي بالمعنى الحديث؛ بل ارتبطت الملكية المصرية بمفهوم ديني يجعل الملك وسيطًا بين البشر والآلهة، وتطورت عبر العصور تصورات متعددة عن طبيعته الإلهية ومكانته.
وهذا يعني أن فكرة *«ملك أرضي ذو صلة بالعالم الإلهي»* لم تكن غريبة عن البيئة التي نشأت فيها قصة فرعون. لكن ينبغي أن نكون دقيقين: وجود هذه العقيدة في مصر لا يثبت أن فرعون كان كائنًا سماويًا، إنما يثبت أن الحد الفاصل بين الملك والبشر والآلهة كان أكثر تعقيدًا في المخيال الديني القديم مما هو عليه في التصور الحديث.
**إذن من هم «العالون»؟**
هنا تصل الفرضية إلى قلبها الحقيقي: يمكن أن يكون «العالون» مجرد وصف للمتكبرين، وهذا احتمال قوي. لكن يمكن أيضًا أن يكون وراء الكلمة معنى أقدم: (العالون = طبقة ذات علو ومكانة فوق البشر).
وهذا الاحتمال يصبح أكثر إثارة عندما نضعه بجانب (الملأ الأعلى — أبناء العلي — أنا ربكم الأعلى — علا في الأرض). ومن هنا تنشأ الفرضية: ربما كانت قصة فرعون تحتفظ بذكرى بعيدة عن جماعة «عالية» أو «علوية» دخلت المجال الأرضي، وأقامت سلطة على جماعات بشرية، ثم تحول العلو الأصلي إلى استعلاء سياسي وديني، حتى انتهى الأمر بفرعون إلى إعلان نفسه «ربكم الأعلى».
**من السماء إلى الأرض**
إذا صحت هذه القراءة، فإن قصة فرعون تأخذ شكلًا مختلفًا:
1. عالم علوي.
2. جماعة عالين.
3. نزول أو اتصال بالعالم الأرضي.
4. إقامة سلطة بين البشر.
5. تكوين ملأ وطبقة حاكمة.
6. استضعاف أهل الأرض.
7. احتكار المعرفة والسلطة.
8. ادعاء الربوبية: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
وهذا النموذج لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون «فضائيًا» بالمفهوم الحديث؛ فعبارة السماويين أو العلويين يمكن أن تكون في الأصل وصفًا دينيًا/أسطوريًا لكائنات اعتقد القدماء أنها تنتمي إلى عالم أعلى من عالم البشر.
**لكن لماذا يصبح إبليس مهمًا هنا؟**
لأن قصة إبليس تقدم لنا النموذج الأول للاستعلاء على الإنسان: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾؛ إذ يرفض إبليس السجود لآدم بسبب اعتقاده بتفوق أصله، وفرعون يفعل شيئًا قريبًا من ذلك على المستوى السياسي: «أنا الأعلى». إذن لدينا نمطان من الاستعلاء:
* **إبليس:** أنا أعلى من آدم.
* **فرعون:** أنا أعلى منكم.
وهنا يصبح السؤال: هل كلمة «العالين» في قصة إبليس تشير فقط إلى صفة نفسية؟ أم أنها تحمل أيضًا أثرًا لتصور عن جماعة ذات منزلة علوية؟ إن كان الاحتمال الثاني صحيحًا، فقد تكون قصة فرعون واحدة من القصص التي تنتقل فيها مشكلة «العلو» من العالم الغيبي إلى العالم الأرضي.
**الخلاصة**
لا تقول هذه الدراسة إن القرآن صرح بأن فرعون كان أنوناكيًا، ولا أن التاريخ أثبت أن فرعون جاء من السماء. بل تقول شيئًا أكثر تحفظًا وأقوى بحثيًا: إن القرآن يستخدم في قصة إبليس وفرعون حقلًا لغويًا متكررًا حول العلو: «العالين»، «الملأ الأعلى»، «علا في الأرض»، «الأعلى»، إلى جانب بنية سلطوية تتكون من فرعون وملئه وجنوده وأهل الأرض المستضعفين.
والتوراة تحتفظ بدورها بتصورات عن أبناء الله، وأبناء العلي، والمجمع الإلهي، والكائنات السماوية ذات الصلة بعالم البشر. أما أساطير الشرق الأدنى القديم فتحفظ صورًا متعددة عن آلهة علوية، ومجالس سماوية، وسلطة نازلة إلى الأرض، وملوك يرتبطون بالعالم الإلهي. كل ذلك لا يثبت الفرضية، لكنه يجعلها صالحة للبحث.
وربما يكون السؤال الأكثر إثارة ليس: *هل كان فرعون من جنس الملأ الأعلى؟* بل: **هل كان وراء صورة فرعون في النص القرآني بقايا ذاكرة أقدم عن «عالين» أو «علويين» حكموا شعوبًا بشرية، ثم تحول مفهوم العلو لديهم إلى استعلاء وطغيان وربوبية؟**
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق