📖 حين يصبح تفسير القرآن سببًا للفرقة بدلًا من الوحدة!
قراءة تدبرية في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾
بقلم: المهندس علي أحمد الدبعي، بالتعاون مع الذكاء الفائق
🔹 هل هجر المسلمون القرآن، أم جعلوه سببًا لهجر بعضهم بعضًا؟
ماذا لو تأملنا شكوى النبي محمد ﷺ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]، من زاوية لغوية وفكرية أخرى؟
المعنى الشائع للآية أن قوم الرسول أعرضوا عن القرآن وتركوا العمل به. لكن ثمة سؤال يستحق التأمل: هل يمكن أن يكون من صور هجر القرآن أيضًا أن يتخذه الناس سببًا لهجر بعضهم بعضًا، والتخاصم والتنازع فيما بينهم؟
إنها قراءة تدبرية تقترح أن المشكلة ليست دائمًا في ترك القرآن وقراءته، بل قد تكون كذلك في طريقة التعامل معه، حين يتحول النص الذي يُفترض أن يهدي الناس ويجمعهم إلى محور خلافاتهم وصراعاتهم.
🔹 ماذا توحي لنا كلمة «اتخذوا»؟
لم يقل النص: إن قومي لم يقرؤوا القرآن، أو لم يسمعوه، بل قال: ﴿اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.
وفعل «اتخذ» يلفت النظر إلى ما جعلوه عليه أو الصفة التي صار إليها في تعاملهم معه. أما «مهجورًا»، فهي اسم مفعول من الهجر، الذي تدور دلالاته في العربية حول الترك والمفارقة والقطيعة.
ومن هنا تنطلق فرضيتنا: لعل هجر القرآن لا يقتصر على إهمال تلاوته، بل يمكن أن يظهر أيضًا حين يقرأه الناس، ثم يتخذ كل فريق فهمه له حاجزًا يفصله عن الفريق الآخر.
وهنا ينبغي التنبيه إلى دقة لغوية مهمة: المعنى المباشر لعبارة «اتخذوا القرآن مهجورًا» هو جعلوه متروكًا أو معرضًا عنه، أما القول إنهم جعلوه سببًا لهجر بعضهم بعضًا، فهو معنى تدبري أوسع، وليس التفسير اللغوي الصريح الذي تفرضه ألفاظ الآية وحدها.
🔹 حين يقرأ الجميع كتابًا واحدًا، ثم يتفرقون!
تأملوا المفارقة: كتاب واحد، يتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ويؤمنون بأنه هدى ورحمة، ومع ذلك نشأت بينهم اختلافات عقدية وفقهية ومذهبية، ووصلت بعض صراعاتهم إلى التكفير والاقتتال.
لم يكن كل هذا الاختلاف نتيجة رفض القرآن؛ فكثير من المختلفين كانوا يستشهدون بالآيات نفسها، لكنهم اختلفوا في فهمها، وتحديد دلالاتها، والجمع بينها، وترتيب الأدلة، وتفسير ما يلتبس منها.
وهكذا يمكن أن يتحول الاختلاف في الفهم من باب للحوار والاجتهاد إلى جدار من القطيعة، فيصبح المرء أقرب إلى من يوافقه في التأويل، ولو خالفه في أمور كثيرة، وأبعد عن أخيه الذي يشاركه الإيمان بالقرآن، لمجرد اختلافهما في فهم بعض آياته.
وهنا تبرز الفكرة التي يدعو هذا المقال إلى اختبارها: هل يمكن أن يهجر الإنسان أخاه باسم القرآن، بينما يظن أنه يدافع عن القرآن؟
🔹 قرائن قرآنية تدعونا إلى التأمل
ليست هذه الفرضية منفصلة عن خطاب القرآن الذي يحذر من التنازع والتفرق، بل يمكن وضعها في حوار مع آيات واضحة في هذا الشأن:
قال تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
فالآية تجمع بين الاعتصام والتفرق، وتدعو المؤمنين إلى الاجتماع على حبل الله، لا إلى تحويل الانتساب إليه إلى سبب للانقسام.
وقال تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].
وهنا يربط القرآن بين التنازع والضعف، في إشارة إلى أن الخلاف حين يتحول إلى صراع يستنزف الجماعة ويبدد قوتها.
وقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].
وتدفعنا هذه الآية إلى التساؤل عن مسؤولية الإنسان حين يحوّل الدين إلى انتماءات متنازعة، يتعصب كل منها لرؤيته، ويعاملها وكأنها الدين كله.
هذه الآيات لا تثبت وحدها أن لفظ «مهجورًا» في سورة الفرقان يعني التسبب في هجر المسلمين بعضهم بعضًا، لكنها تؤكد أن التفرق والتنازع من القضايا التي حذر القرآن منها بوضوح.
🔹 هل المشكلة في القرآن أم في طريقة تعاملنا معه؟
ليس المقصود من هذه القراءة اتهام القرآن بأنه سبب الفرقة في ذاته، ولا إنكار أن للاختلاف أسبابًا أخرى، سياسية واجتماعية وتاريخية. فالكتاب قد يكون موضع استشهاد لدى أطراف متنازعة، من دون أن يكون هو السبب الوحيد أو المباشر في نزاعها.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما يخلط الإنسان بين النص المقدس وفهمه الشخصي له؟ وماذا يحدث عندما يعتقد أن تفسيره هو وحده مراد الله قطعًا، ثم يحكم على الآخرين انطلاقًا من هذا الاعتقاد؟
عندئذ قد يتحول الاجتهاد إلى تعصب، والتفسير إلى حدود فاصلة، والمذهب إلى هوية تتقدم على الأخوة الإنسانية والدينية.
وقد يقرأ اثنان الآية نفسها، فيخرج أحدهما منها بحجة، ويخرج الآخر بحجة مضادة، ثم ينسى كلاهما أن الاختلاف في الفهم لا يمنح أيًّا منهما حق الظلم أو البغضاء أو الاعتداء على الآخر.
إن احترام القرآن لا يعني أن يتوقف الناس عن الاجتهاد، ولا أن يتطابقوا في جميع آرائهم، بل يعني أن يظل الاختلاف محكومًا بالعدل والتواضع والحوار، وألا يتحول إلى قطيعة وعداوة.
🔹 خاتمة: هل نراجع معنى هجر القرآن في حياتنا؟
ربما لا يكون هجر القرآن دائمًا أن نضع المصحف جانبًا، أو نهجر تلاوته، بل قد يكون من صوره أن نقرأه بألسنتنا، ثم نبتعد عن قيمه في سلوكنا؛ نتلو آيات الرحمة، ونمارس القطيعة، ونقرأ آيات الاعتصام، ثم نتنازع باسم الدين، ونستشهد بآيات العدل، ثم نظلم من يخالفنا في الرأي.
ومن هنا أقترح أن نتأمل الآية الكريمة من زاوية إضافية، لا بوصفها تفسيرًا لغويًا محسومًا، بل باعتبارها سؤالًا أخلاقيًا وفكريًا مفتوحًا:
هل يمكن أن يكون من صور هجر القرآن أن نجعله، بسبب تعصبنا لتفسيراتنا، سببًا لهجر بعضنا بعضًا، بدلًا من أن يكون منطلقًا للعدل والرحمة والتقارب؟
والآن، أترك لكم مساحة التفكير والحوار:
هل ترون أن تعدد المذاهب والاختلاف في تفسير القرآن أمر طبيعي ما دام مصحوبًا بالتسامح، أم أن بعض صور التعصب الديني جعلت القرآن الذي يجمع المسلمين شاهدًا على انقسامهم؟
شاركونا آراءكم، ولنختلف في الفهم إن شئنا، لكن لنتفق على ألا يتحول اختلافنا إلى عداوة وقطيعة.
فهل نحتاج اليوم إلى أن نعيد قراءة القرآن فحسب، أم أن نعيد أيضًا قراءة الطريقة التي نتعامل بها مع بعضنا باسمه؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق