تصنيفات المقالات

الجمعة، 30 أكتوبر 2026

وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه - قراءة متوسعة

حين يخاطب الله كلَّ أمةٍ بلسانها... ويقيم عليها الحجة من باب تفوقها!

قراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾

بقلم: المهندس علي أحمد الدبعي بالتعاون مع الذكاء الفائق.


تأملوا معي هذه الآية القرآنية العظيمة، وحاولوا أن نتجاوز بها حدود الفهم المألوف، لنكتشف جانباً من الحكمة الإلهية في طريقة مخاطبة الأمم وإقامة الحجة عليها.

يقول الله تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة إبراهيم: الآية 4].


للوهلة الأولى، يبدو المعنى واضحاً ومباشراً: أن الله سبحانه يرسل كل رسول بلغة قومه، حتى يفهموا ما جاء به من رسالة، ويعقلوا خطابه، وتقوم عليهم الحجة دون أن تكون اللغة عائقاً بينهم وبين فهم الوحي.

فليس من الحكمة أن يُرسل رسول إلى قوم لا يفهمون لغته، ثم يُطلب منهم الإيمان برسالته التي لم يدركوا معانيها.


وهذا هو المعنى اللغوي والتبليغي المباشر للآية، وهو معنى عظيم في ذاته.

ولكن... هل يمكن أن يحمل مفهوم «اللسان» هنا أفقاً أوسع من مجرد اللغة المنطوقة؟

من لسان الكلام إلى لسان المعرفة والإعجاز

إذا تأملنا تاريخ الرسالات السماوية، وجدنا ملاحظة تستحق التدبر:

كأن الله سبحانه لم يخاطب الأقوام بلغاتهم الكلامية فحسب، بل جاءت بعض معجزات رسله أيضاً في الميدان الذي اشتهرت فيه تلك الأقوام، وبرعت في علومه أو صناعاته أو مهاراته.

وهنا ننتقل من لغة الألفاظ إلى لغة المعرفة والتحدي.

موسى عليه السلام: حين واجه السحر بلغته.

كان السحر من أبرز ما اشتهر به قوم فرعون، وكانت لهم خبرة ومهارة في هذا المجال.

فجاءت معجزة موسى بالعصا التي تحولت إلى حيّة، وباليد التي أخرجها بيضاء للناظرين.

ولم يكن المشهد مجرد ظاهرة عجيبة أمام الناس، بل كان تحدياً مباشراً لأهل الاختصاص أنفسهم؛ حتى إن السحرة، وهم أعرف الناس بحقيقة ما يعرض عليهم، أدركوا أن ما رأوه ليس من جنس السحر الذي يعرفونه.

فسقطت خبرتهم أمام حقيقة المعجزة، وكان إيمانهم من أوضح الشواهد على قوة الحجة.

عيسى عليه السلام: حين جاء الإعجاز في ميدان الطب.

وفي زمن عيسى عليه السلام، جاءت معجزاته في صور تتصل بأعظم ما يعجز عنه الطب البشري: إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله.

وكأن الرسالة جاءت في ميدان يدرك الناس عظمة التحدي فيه، ويعرف أهل الاختصاص حدود قدراتهم وعجزهم أمام ما أظهره الله على يد رسوله.

محمد ﷺ: حين كان القرآن هو لسان التحدي والبيان.

أما العرب في زمن بعثة محمد ﷺ، فقد اشتهروا بالفصاحة والبلاغة والشعر، وكانت اللغة ميدان تفاخرهم ومصدر اعتزازهم.

فجاءهم القرآن بلسانهم العربي المبين، لا ليبلغهم الرسالة فحسب، بل ليتحداهم في الميدان الذي عرفوا فيه التفوق والتميز.

قال تعالى:

﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88].

وهكذا أصبح القرآن نفسه ميدان التحدي، وأصبحت اللغة التي يتفاخرون بها شاهدة على عجزهم عن الإتيان بمثله.

هل نحن أمام قانون في طريقة إقامة الحجة؟

إذا جمعنا هذه الشواهد، أمكننا طرح فكرة تستحق البحث والتأمل:

لعل من حكم إرسال الرسل أن تأتي الحجة الإلهية من الميدان الذي يفهمه القوم، ويعرفون أسراره، ويدركون حدود قدراتهم فيه.

فالحجة تكون أشد وضوحاً حين يخاطبك الدليل باللغة التي تتقنها، وفي المجال الذي تدّعي التفوق فيه.

وهذا لا يعني أن جميع معجزات الأنبياء اقتصرت على مجالات تفوق أقوامهم فيها، ولا أن لفظ «اللسان» في الآية يعني المعجزة العلمية مباشرة؛ فالمعنى الأول الثابت هو لغة القوم التي يفهمونها.

لكننا نستطيع أن نتدبر وجود صلة بين مبدأ البيان في الآية، وبين تنوع وجوه الإعجاز في تاريخ الرسالات.

إشارات من التراث التفسيري

والجميل أن هذا الربط بين لغة القوم ومجال تفوقهم لم يكن غائباً عن بعض أهل العلم والتفسير.

فقد أشار ابن عجيبة في تفسيره «البحر المديد» عند تفسير الآية إلى مناسبة معجزة كل من موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام لما اشتهر به أقوامهم، وربط ذلك بإقامة الحجة عليهم.

كما نجد عند الدكتور محمد راتب النابلسي شرحاً موسعاً لهذا المعنى، يميز فيه بين المعنى الخاص للسان، أي لغة التخاطب، والمعنى الأوسع الذي يتصل بمخاطبة الناس من خلال ما برعوا فيه.

وهذه الإشارات لا تجعل المعنى الاستنباطي بديلاً عن المعنى اللغوي الأصلي، وإنما تفتح أمامنا مجالاً إضافياً للتدبر.

خاتمة: هل يخاطبنا الإعجاز باللغة التي نفهمها؟

لعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه القراءة أن البيان الإلهي لا يقتصر على إيصال الكلمات إلى الأسماع، بل يمتد إلى إقامة الحجة أمام العقول، ومخاطبة الإنسان من خلال ما يعرفه ويفهمه ويستطيع أن يختبره.

فاللغة وسيلة للفهم، والمعجزة وسيلة لإقامة الحجة، وكلاهما يلتقيان في غاية واحدة: أن يصل الإنسان إلى الحقيقة دون أن يكون الجهل أو العجز عن الإدراك حجة له.

ويبقى السؤال الذي أطرحه على القراء والباحثين:

هل ترون أن معجزات الأنبياء جاءت، في جانب مهم منها، بلغة المعرفة التي برع فيها أقوامهم، كما جاءت رسالاتهم بألسنتهم التي يفهمونها؟

وهل يمكن أن نستنبط من ذلك حكمة أوسع، مفادها أن إقامة الحجة على الإنسان تكون أكثر تأثيراً حين تأتيه من داخل عالمه المعرفي، لا من خارجه؟

أترك لكم مساحة التدبر والنقاش، فربما تكشف لنا زوايا النظر المختلفة عن دلالات لم ننتبه إليها من قبل.


وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه - قراءة متوسعة

حين يخاطب الله كلَّ أمةٍ بلسانها... ويقيم عليها الحجة من باب تفوقها! قراءة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ ق...