الأربعاء، 5 أغسطس 2026

وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا - قراءة حديثة

 دستور الأسواق المنسي: حين تحوّلت "الحِطّة" من استغفار الشفاه إلى سماحة الشراء والبيع

بقلمي:  الدبعي على احمد -،اغسطس 2026 

في عتمة التيه ومكابدة الفراغ، كان الإنسان يبحث عن مستقر. وحين انفتحت لبني إسرائيل أبواب القرية الواعدة، وصدر الأمر الإلهي: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ}، لم يكن الأمر مجرد طقسٍ لغوي، أو ترنيمة شفوية تُرددها الحناجر لتسقط الذنوب في الهواء. إنما كان إعلاناً عن ولادة "مجتمع"، وتدشيناً لـ "دستور اقتصادي واجتماعي" جديد، يُراد له أن يُطهر النفوس والتعاملات قبل الأسواق.


وفي فقه هذا الدستور المنسي، تكتسب كلمة {قُولُوا} بُعداً عملياً وتنظيمياً يتجاوز مجرد التلفظ باللسان. ففي أسرار اللسان العربي، يرتبط هذا اللفظ بجذر الإقالة والتنازل؛ حيث تتقاطع الكلمة رسمًا وصوتًا مع فعل الأمر الجماعي "قُولُوا" المشتق من (أَقَالَ - يُقِيلُ)، والذي يعني في أسس التعاملات المالية والبيوع: "سهلوا البيع تكرماً، وتنازلوا قليلا  عن الربح، وتسامحوا مع البائع والمشترى ". إن الأمر بـ {قُولُوا حِطَّةٌ} يحمل في طياته دعوة مزدوجة وعميقة: أعلِنوا بألسنتكم، وطبّقوا في سلوككم خيار الإقالة والتسامح في معاملاتكم اليومية، واجعلوا من أسواقكم مساحة للوضع والتخفيف لا للتعنت والمكابرة  والمكاسرة.


كانت "الحِطّة" في عمقها الإنساني واللغوي دعوةً للـ "الوضع والمسامحة". ففي لغة العرب، وفي فقه المعاملات المالية، تُستخدم كلمة "الحطّ" بشكل مباشر في البيع والشراء؛ حيث يُقال: "حطَّ من الثمن" أي نقص منه وتسامح فيه، ويُعرف في الفقه بـ "الوضيعة أو الحطيطة"، وهي البيع بفائدة قليلة  أو إسقاط جزء من الدين للتيسير على المشتري. فكما يحطّ المسافر مَتاعه عن ظهر دابته ليستريح، كان على الداخلين إلى المدينة أن "يحطّوا" من غلواء نفوسهم، ويروضوا جشعهم المادي، ويضعوا عن كاهل المشتري أثقال الأرباح الفاحشة والاحتکار. كانت الكلمة بمثابة هتافٍ أخلاقي يتردد عند عتبات الأسواق: "سامحوا، وضَعوا، وتراحموا".


بيد أن العقلية المادية، المكبلة ببريق المكاسب السريعة، ضاقت بـ "الحِطّة" وقيم التسامح. وفي لحظة تبديلٍ فارقة، زحفت شهوة الاستحواذ على النص، فطمسوا هذا الدستور الإنساني، وتحولت الكلمة في أفواههم إلى "حنطة"! والتبديل هنا لم يكن مجرد تلاعبٍ بالظاء والحاء، بل كان انقلاباً مفاهيمياً كاملاً؛ لقد استبدلوا بـ "الحِطّة" (التي تعني التسامح والزهد والرفق بالمستهلك) "الحنطةَ" (التي ترمز للسلعة، والقمح، والاحتکار، وتحويل كل مقدّس إلى قيمة استهلاكية قابلة للبيع والشراء بأعلى الأثمان).


ما أشبه الليلة بالبارحة! فكم من "حنطة" تُباع اليوم في أسواقنا على حساب "الحِطّة"؟


حين يدخل التاجر سوقه مع طلوع الشمس، وهو يضمر في نفسه اقتناص حاجة المضطر، ورفع السعر فوق الطاقة، واحتكار الضروريات؛ فإنه في الحقيقة يبدل قولاً غير الذي قيل له. إن سماحة البيع والشراء ليست نافلةً من النوافل الأخلاقية، بل هي صمام أمان المجتمعات، وقد رسخها النبض النبوي الشريف حين قال رسول الله ﷺ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحاً إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى".


التاجر السمح الذي "يحطّ" من ربحه ليشتري المسكين، والمشتري السمح الذي لا يبخس السلعة حقها ولا يرهق البائع بالمماطلة، هما اللذان يحققان الموعود الإلهي في ختام الآية: {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ۚ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}. فالرابط بين التسامح التجاري ومغفرة الذنوب رابط وثيق في القوانين الإلهية؛ وعندما يتسامح الناس في البيع والشراء ويحطّون عن بعضهم البعض، ويقيلون عثرات النادمين والمستقيلين في البيوع، يغفر الله لهم خطاياهم.


إن المغفرة والبركة لا تتنزلان على مجتمعٍ ينعزل فيه الدين في المحاريب والصوامع، بينما تُمارس في أسواقه شريعة الغاب. لقد ربطت الآية غفران الخطايا بالسلوك البشري اليومي؛ فمن "حطّ" عن أخيه في الدنيا ثمن غرسٍ، أو قيمة قمحٍ، أو نفّس عنه كربة دَين، حطّ الله عنه خطايا العمر.


إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى إحياء مفهوم "الحِطّة" و"الإقالة" في معاملاتنا التجارية والاجتماعية. بحاجة إلى أسواقٍ لا تُقاس شطارتها بمدى القدرة على ابتزاز الجيوب، بل بمدى القدرة على إشاعة الرضا والتراحم. لنتذكر دائماً أن عتبات البيوت والأسواق ومنافذ البيع هي "أبواب القرية" التي نلجها كل يوم؛ فإما أن ندخلها بـ "حِطّة" التسامح والرفق، وإما أن نسقط في فخ "الحنطة" والجشع، وشتان بين من يبحث عن البركة والمغفرة، ومن يركض خلف سِلعةٍ زائلة.


ملاحظة هامة: 

"إن الذين يحصرون تبديل بني إسرائيل في 'لفظةٍ غيّرتها الشفاه'، يختزلون الجريمة ويجهلون لغة القرآن. إن الله لا يعاقب بالرجز والهلاك على زلّة لسان، بل يعاقب على انقلابِ ميزان.

عبارة {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا} هي إدانة صارخة لخلع ربطة الطاعة؛ حيث أسقطوا دستور التراحم والمسامحة (الحطة)، واخترعوا من عند أنفسهم تعاليم مادية تبرر الاحتكار والجشع ونسبوها إلى ربهم، فاستحقوا العقوبة لتبديلهم المنهج العملي، لا لمجرد تبديلهم الحرف اللفظي.




ليست هناك تعليقات:

وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا - قراءة حديثة

 دستور الأسواق المنسي: حين تحوّلت "الحِطّة" من استغفار الشفاه إلى سماحة الشراء والبيع بقلمي:  الدبعي على احمد -،اغسطس 2026  في عتم...