من هم «المصلّون» الذين توعّدهم القرآن؟
قراءة أخرى في دلالة كلمة «المصلّين» في سورة الماعون
تبدو سورة الماعون من السور القصيرة الواضحة في ظاهرها، غير أن إحدى عباراتها تثير سؤالًا لغويًا جديرًا بالتأمل:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾
[الماعون: 4-7]
فالقراءة الموروثة تفهم «المصلين» على أنهم الذين يؤدون الصلاة المعروفة، ثم يأتي القرآن فيتوعد منهم فئة معينة بسبب تقصيرهم في صلاتهم وريائهم ومنعهم الماعون.
وهذا التفسير له أساس قوي في كتب التفسير القديمة.
أولًا: ماذا قال التفسير الموروث؟
فسر الطبري قوله تعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾
بأن المقصود المنافقون الذين يصلون أمام الناس ولا يصلون في السر، ثم ذكر في معنى ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يتهاونون بها.
أما ابن كثير فنقل عن ابن عباس وغيره أنهم المنافقون الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر، وذكر أيضًا أقوالًا في السهو عنها، منها تركها أو إخراجها عن وقتها أو التقصير في أدائها.
وعند السعدي، «المصلون» هم الملتزمون بإقامة الصلاة، لكنهم يضيعونها أو يؤخرونها ويفوتون أركانها وواجباتها، ثم وصفهم القرآن بالرياء.
إذن التفسير الموروث لا يقول إن كل من صلى داخل في الوعيد، وإنما المقصود المصلون الذين اتصفوا بالصفات اللاحقة:
السهو عن الصلاة.
الرياء.
منع الماعون.
وهذا التفسير منسجم مع البناء النحوي للآيات.
ثانيًا: ولكن لماذا قال القرآن «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ»؟
هنا تبدأ المسألة التي تستحق إعادة النظر.
لو كان المقصود ببساطة:
ويل للذين يصلون ثم يسهوْن في صلاتهم،
فإن عبارة «فويل للمصلين» قد تبدو للوهلة الأولى غريبة؛ لأن الصلاة في القرآن عبادة محمودة، والمصلون عادةً من أهل الطاعة.
لكن المفارقة تزول إذا فهمنا أن كلمة «المصلين» تحدد فئة معينة، ثم تأتي الآيات التالية لتكشف صفاتها.
وهذا هو السؤال الذي يمكن أن نعيد طرحه:
هل «المصلين» هنا لا تدل بالضرورة على مجرد المؤدين للعبادة، وإنما يمكن أن تكون وصفًا أو اسمًا لفئة تتنافس على التقدم والمكانة؟
هذه ليست دعوى بأن هذا هو المعنى القطعي للآية، وإنما هي فرضية لغوية تستحق الاختبار.
ثالثًا: ماذا تقول المعاجم عن «المُصَلِّي»؟
المفاجأة أن كلمة «المُصَلِّي» ليست محصورة في معنى الشخص الذي يؤدي الصلاة.
ففي لسان العرب يرد أن:
«المُصَلِّي في كلام العرب السابق المتقدم»
ويذكر المعجم أن أصل الاستعمال كان في سباق الخيل؛ فالسابق الأول يسمى المُجَلِّي، والثاني يسمى المُصَلِّي، والثالث المُسَلِّي، ثم تأتي أسماء أخرى للمراتب التالية. وسبب تسمية الثاني بالمصلي أنه يكون قريبًا من صَلا الفرس السابق، أي جانبي ذنبه.
ويؤكد تهذيب اللغة المعنى نفسه، ناقلًا عن أبي عبيد وأبي العباس:
«المصلِّي في كلام العرب: السابق المتقدم»
مع بيان أن أصل المصطلح في سباق الخيل هو الفرس الثاني الذي يلي السابق.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:
«المُصَلِّي» باللام المشددة يمكن أن يكون لفظًا عربيًا قديمًا يدل على موقع في السباق والتقدم والمنافسة، وليس فقط على الصلاة.
رابعًا: والأهم أن الاستعمال لم يبقَ محصورًا في الخيل
لا يقتصر النقل المعجمي على تسمية الفرس الثاني؛ إذ ينقل لسان العرب عن أبي العباس:
«المُصَلِّي في كلام العرب السابق المتقدم»
ثم يستشهد بتعبير:
«رجلٌ مُصَلٍّ»
أي أن اللفظ انتقل من اصطلاح سباق الخيل إلى وصف الإنسان المتقدم في المنافسة.
وهذا يفتح بابًا مهمًا جدًا في قراءة الآية.
فإذا كان المُصَلِّي في العربية القديمة يمكن أن يكون:
المتقدم ـ السابق ـ المنافس على الصدارة
فليس من الضروري، من الناحية المعجمية البحتة، أن نفترض أن كل استعمال للكلمة يجب أن يكون متعلقًا بالعبادة.
لكن ينبغي هنا أن نكون منصفين:
المعجم يثبت وجود هذا المعنى في العربية، لكنه لا يثبت أن هذا هو معنى «المصلين» في سورة الماعون.
وهذا الفرق أساسي.
خامسًا: القراءة المقترحة
يمكن، بناءً على ذلك، طرح قراءة بديلة تقول:
إن «المصلين» قد تكون تسمية لفئة من الناس تتنافس على التقدم والمكانة والصدارة الدينية أو الاجتماعية، ثم يصف القرآن هذه الفئة بصفات تكشف فساد سلوكها.
وعندئذ تصبح الآيات:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾
أي: ويل لأولئك الذين يسعون إلى التقدم والصدارة والمكانة.
ثم:
﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾
أي أن المشكلة ليست بالضرورة في مجرد وجود الصلاة أو غيابها، وإنما في أن هؤلاء غافلون عن حقيقة ما يفترض أن تمثله «صلاتهم» من صلة والتزام وسلوك.
ثم تأتي الآية الأكثر كشفًا:
﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾
فتكشف أن وراء هذا السلوك اهتمامًا بالمظهر أمام الناس.
ثم تأتي النهاية:
﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾
فتكشف التناقض بين المظهر الديني وبين التعامل الإنساني اليومي؛ فهم قد يطلبون التقدم والمكانة والظهور، لكنهم لا يقدمون للناس حتى أبسط صور المعونة.
وبهذه القراءة يصبح بناء السورة شديد الترابط:
التنافس على المكانة → الغفلة عن حقيقة العبادة → الرياء → البخل بالمعونة.
سادسًا: هل المقصود تحديدًا «المتنافسون على الصف الأول»؟
هنا يجب ألا نتسرع.
إن القول بأن «المصلين» تعني تحديدًا المسلمين الذين يتنافسون على الصف الأول في الصلاة فكرة ذكية من حيث السياق، لكنها ليست معنى معجميًا وجدناه منصوصًا عليه.
المعاجم التي بحثنا فيها تعطينا:
المُصَلِّي = السابق أو المتقدم أو صاحب المرتبة المتقدمة في السباق.
ولا تقول:
المُصَلِّي = من يتنافس على الصف الأول في المسجد.
لذلك فإن الانتقال من:
«المصلي = المتقدم في المنافسة»
إلى:
«المصلون = الذين يتنافسون على الصف الأول»
هو استنباط حديث وليس نقلًا لغويًا قديمًا.
وهذا لا يبطل الفرضية، لكنه يجعلها بحاجة إلى دليل إضافي.
سابعًا: ماذا نستطيع أن نقول بثقة، وماذا يبقى فرضية؟
الثابت لغويًا
المعاجم العربية القديمة تثبت أن:
المُصَلِّي قد يعني:
الفرس الذي يأتي ثانيًا في السباق.
ثم استُعمل في كلام العرب بمعنى السابق أو المتقدم.
وورد التعبير عن الإنسان: «رجلٌ مُصَلٍّ».
الثابت في التفسير الموروث
المفسرون فهموا:
﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾
على أنها وعيد لفئة من الذين يصلون، ولكنهم يتصفون بالسهو عن الصلاة والرياء ومنع الماعون، وقيل فيهم إنهم المنافقون.
أما الفرضية الجديدة
فهي:
أن «المصلين» قد تكون في الآية تسمية لفئة تتنافس على التقدم والمكانة والصدارة، وربما الصدارة الدينية، وأن الآيات التالية تكشف فساد هذه الفئة: الغفلة، والرياء، ومنع المعونة.
وهذه قراءة محتملة تحتاج إلى مزيد من الشواهد، وليست تفسيرًا ثابتًا ينافس التفسير الموروث من حيث درجة الإثبات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق