# بين الوعي الإنساني والذهول البشري البهيمي : قراءة في سنن الارتقاء والانحدار
### بقلم: علي أحمد الدبعي
في غمرة الوجود الكوني الصاخب، يبرز سؤال أزلي يدغدغ عقول المفكرين والعلماء على حد سواء: هل كل كائن يمشي على قدمين او اربع ، ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يستحق فعلاً صفة "الإنسان"؟ أم أن الإنسانية رتبة وجودية ومرحلة ارتقاء، لا ينال صكّها المرء بمجرد ولادته البيولوجية؟
إن المتأمل في السنن الكونية، والمستقصي لدقائق الألفاظ القرآنية، يدرك أن هناك خطاً فاصلاً، دقيقاً وعميقاً، بين مفهومين يظنهما العوام ترادفا؛ هما: **"البشر"** و**"الإنسان"**.
## الطور البشري: حتمية الجينات وقصور الوعي
تبدأ الرحلة من الطور الأول، طور "البشر"، وهو الذي يمثل الامتداد المادي، والتركيبة البيولوجية، والهيئة الفيزيائية المحكومة بالجينات الموروثة ونظام التشغيل الغريزي المغلق. في هذا المستوى، يعيش الكائن حياته بالفطرة البهيمية المحضة؛ تحركه دوافع البقاء الفورية من جوع، وخوف، وتكاثر.
إن هذا الصنف من البشر -وإن كانوا من ذرية آدم من الناحية التناسلية- يعيشون في حالة من "الذهول المعرفي" التام. إنهم أشبه ما يكونون بالأنعام التي ترعى وتسمن بجانب جزارها، تأكل وتشرب برضا واطمئنان، ولا تدرك بعقلها القاصر أنها تُربى من أجل ذباحتها واستهلاك لحمها. يعيشون في لحظتهم الآنية، مستهلكين لمدخلات المادة، دون أن يرفّ لهم جفن أمام التساؤلات الوجودية الكبرى: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟
## تعطيل الوظيفة الوجودية: أولئك كالأنعام بل هم الانعام نفسها ،عندما ينزل الوحي الإلهي ضيفاً على العقل، يضع النقاط على الحروف التشريحية والنفسية لهذا الطور. يقول الحق سبحانه في سورة الأعراف:
> **{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}** [الأعراف: 179].
>
إن هذه الآية الكونية تسرد حتمية قدرية عادلة هي تقرر **سنة بيولوجية وسلوكية** صادمة. فالنص لم ينفِ عن هذه الكتلة البشرية امتلاك أدوات الوعي؛ لديهم "قلوب وأعين وآذان" كأجهزة استقبال تشريحية ، لكن الجناية الجينية تكمن في **تعطيل الوظيفة المعرفية والعقلية** لهذه الأدوات ({لَّا يَفْقَهُونَ}، {لَّا يُبْصِرُونَ}، {لَّا يَسْمَعُونَ}).
وهنا يبرز وجه الضلال الذي يجعلهم من جنس البهائم و الأنعام؛ ببرمجتها الفطرية المحدودة، وهي تؤدي دورها البيئي المرسوم لها بدقة ولا تملك خياراً آخر. أما "البشر العاقل"، اى الانسان ،فيملك البنية التحتية والخلقية للارتقاء، لكنه اذا اختار بإرادته أو باستسلامه لطبيعته الجينية الهبوط السلوكي، فيتحول إلى عبء بيولوجي مستهلك للطاقة، بل ومدمّر للبيئة والحضارة بدافع الجشع والشهوة المنفلتة من عقال العقل.
“فالإنسان يحمل في تكوينه بقايا الجاذبية البشرية الحيوانية الأولى، لكنه مُنح كذلك قابلية الارتقاء العقلي والأخلاقي.
## صيحة نذير: الإنسانية مسؤولية تفعيل لا منحة مجانية
إن التخويف بـ "الذرء لجهنم" في الآية الكريمة، هو في جوهره **تحذير استراتيجي صاعق وهزّة عنيفة للوعي**. إنها صيحة نذير لكل امرئ لئلا يرتد إلى الطور البهيمي الاول ، أو يقع في شباك الغفلة المحضة.
إن "الإنسانية الحقيقية" ليست مكافأة تُمنح بالمجان، بل هي "رتبة تشريفية وتكليفية" تتطلب تفعيلاً يومياً مستمراً لأدوات الإدراك. إنها تتجلى في الخروج من جاذبية المادة السفلى إلى أفق الوعي والارتقاء، واستخدام العقل والحواس بشكل صحيح، سليم، ونافع للذات وللغير، تحقيقاً لغاية الخلافة في الأرض.
إن من ارتضى لنفسه أن يعيش على هامش الوعي، مسيراً بطبعه وجيناته المادية، غافلاً عن مصيره ومآله، فقد حكم على نفسه بالانحدار إلى سلة المهملات الوجودية، حيث تصبح جهنم الدنيوية والاخروية ، مستقراً حتمياً لتلك الكتلة الحيوية التي رفضت أن تنفذ من أقطار الغريزة إلى رحاب الفكر والتدبر.
فلنعِ عظم الأمانة، ولتظل حواسنا نوافذ مشرعة على الفقه والإبصار والسمع الواعي، لئلا نكون من الغافلين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق