الأربعاء، 10 يونيو 2026

المستغفرون بالاسحار: قراءة حديثة مفيدة



**شفرة الاتصال الخفي: "الأسحار" بين التوقيت الفلكي وسحر البيان في الخطاب القرآني**
**بقلم: الدبعي على  أحمد **

إن البناء اللغوي والصرفي للقرآن الكريم يمثل شبكة هندسية محكمة، لا تقف حدود كلماتها عند المعاني الحركية القريبة، بل تتجاوزها لتكشف عن أسرار فيزيائية ونفسية مذهلة عند تتبع أصل الجذور وشجرتها اللغوية في اللسان العربي واللغات السامية المشتركة. ومن هذه التجليات البديعة، ما جاء في مدح فئة مخصوصة من عباد الله في مواضع شتى، كقوله تعالى في سورة آل عمران: **{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}** (الآية 17)، وقوله في سورة الذاريات: **{وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}** (الآية 18).

وفي هذا المقال، نعيد قراءة هذه النصوص عبر التوفيق بين المأثور التفسيري المستقر الذي عُمل به، وبين أفق تدبري وجذر اشتقاقي جديد يرى في "الأسحار" وسيلة أداتية وبيانية فائقة الفاعلية والتأثير.

### أولاً: الفهم الموروث والظرف الزمني (حفظ الأصل الكوني)
استقر مأثور المفسرين وعلماء الأمة عبر القرون على أن "الأسحار" في الآيات الكريمة هي جمع "سَحَر"، وهو النطاق الزمني الفلكي الواقع في أواخر الليل قبيل طلوع الفجر الصادق (وتحديداً السدس الأخير من الليل).
وقد خُص هذا الوقت بالمدح تشريعياً لكونه مظنة النزول الإلهي وميقات استجابة الدعاء، وحيث يمر الكيان البشري في هذا الوقت بحالة من التجرد والصفاء بعد تصفير ضجيج الحياة اليومية وانقطاع الحركة البشرية. هذا الفهم الموروث يمثل الأصل العملي النافع للناس، والذي يربط العبادة بمواقيت كونية تضبط إيقاع الجسد والروح مع حركة الأفلاك والزمان.

### ثانياً: الفرضية الجديدة.. "الأسحار" كجمع "سِحر" وأسلوب البيان اللطيف
إذا أعدنا تفكيك اللفظ من منظور لغوي واشتقاقي أعمق، وجدنا أن كلمة (الأَسْحَار) في اللسان العربي والقول المأثور تحتمل لغوياً وصرفياً أن تكون جمعاً لكلمة **(سِحر)**، وليس فقط لـ (سَحَر) الزمانية.
فالسِّحْرُ في لغة العرب وفي كلياتها المعجمية هو: **"كلّ أمر يخفى سببُه، ويُؤثر بلطفه ورِقته، ويأخذ الألباب بجماله، ويجري مجرى التمويه والتورية الخفية"**. وفي هذا المضمون الممدوح والمحمود، يقول النبي ﷺ في الحديث الشريف القاطع: **(إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا)**؛ أي أن في رقة الكلام، ولطافته، وحسن تأليفه، قوة تأثيرية خفية تنفذ إلى أعماق القلوب دون صخب.
من هذا المنطلق، تتشكل الفرضية التدبرية الجديدة: إن "الأسحار" الممدوحة في القرآن ليست مجرد بقاع زمنية يستيقظ فيها الإنسان آلياً، بل هي **"أداة ومنظومة إجرائية، ووسيلة بيانية فائقة الرقة والتأثير"** يستخدمها العبد في خطابه ومناجاته للخالق.
وبناءً على هذا الفهم، فإن الأقوال والأفعال الفعالة التي تشغل هذه المنظومة تتجلى في:
 1. **أسلوب "سحر البيان" في الدعاء:** الاعتماد على العبارات الرقيقة، الخافتة، والمليئة باللطف وعذوبة المناجاة (الهمس والتبتل)، حيث يهمس العبد بكلمات تخفى طاقتها التشغيلية عن المحيطين به، لكن أثرها ينفذ مباشرة إلى ملكوت السماء.
 2. **التورية والاعتراف الانكساري:** كما أن السحر يعتمد في تعريفه اللغوي على التورية والخفاء، فإن العبد في هذا المقام يمارس تورية انكسارية راقية؛ فيقف بين يدي ربه مُظهراً التقصير التام والمسكنة والضعف البشري، مفعماً بصيغ الاستغفار الجامعة كـ (سيد الاستغفار)، فيستدر بهذه الرقة البلاغية والافتغار الخفي سحائب الرحمة والمغفرة.

### ثالثاً: القرائن والالتقاء الإعجازي بين الزمان والنوع
إن قوة هذه الفرضية وصحتها تنبع من الانصهار والتطابق المذهل بين "الظرف الزمني" و"النوع الأسلوبي"؛ فكأن التعبير القرآني بلفظ **{بِالْأَسْحَارِ}** جاء معجزاً ليجمع المعنيين معاً في آن واحد:
 * **القرينة الفلكية الجيولوجية:** وقت السحر (قبيل الفجر) هو وقت "التحول الخفي" في الطبيعة، حيث ينسلخ الليل ويتداخل معه بياض النهار بلطف شديد ودون أن يشعر به أحد، وهو ما يوافق جذر الكلمة في اللغات السامية القديمة (كالأكادية والآرامية) التي تفيد "الالتفاف وتحول الألوان بلطف".
 * **القرينة البيانية النفسية:** أسلوب المستغفر في هذا الوقت هو أسلوب "خفي، لطيف، ساحر التأثير" يتطابق مع سكون الكون المحيط به.
فالآية عندما تمدح **{وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ}**، فإنها لا تقصر المدح على الظرف الزمني الفلكي فحسب، بل تمدح تلك **الحالة البيانية والنفسية والروحية الرقيقة الخفية**؛ إنهم أولئك الذين يتقربون إلى الله بـ"سحر الكلام" وعذوبة المناجاة وخفاء العبادة وتجريد الأنا في عتمة الليل وسكونه.

### خاتمة
إن التوفيق بين الموروث التفسيري لـ "الأسحار" كزمن فلكي، وبين الفرضية الاشتقاقية كـ "أداة بيانية لطيفة وخفية التأثير"، يعيد تقديم النص القرآني كمنظومة هندسية متكاملة الأدوار. وبذلك يصبح قيامك في هذا الوقت، وصلاتك، وقراءتك للقرآن بتؤدة، واستغفارك اللطيف الخاشع، بمثابة استخدام للمفتاح والشفرة التشغيلية الصحيحة التي تفتح بوابات الاتصال بالملكوت الأعلى، فيتحول السَّحَر الزمني بواسطة السِّحْر البياني إلى معراج روحي يومي متجدد لنفس المؤمن وفكره.

ملاحظة:  
القرآن اختار لفظًا يجمع في جذره بين زمن السحر وبين مفهوم التأثير الخفي الذي وصفه الحديث بقوله "إن من البيان لسحرًا"، وكأن المستغفرين يجمعون بين التوقيت الأمثل للمناجاة والأسلوب الأمثل للمناجاة..

ليست هناك تعليقات: