قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس - قراءة حديثة
تبرز قصة عقوبة السامري عبرةً ونبراسًا، يظهر فيها العدل الإلهي مُشرقًا في أبلغ صورة. لم تكن عقوبته جسدًا يُهشَّم، ولا مالًا يُستَصْفَى، بل كانت عقوبةً تُلامس الروح والهوية والوجود في المجتمع: «إِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مَسَاسَ».
هذا الحكم الرباني لم يكن مجرد كلمات تُلقى، بل كان تحويلاً جوهريًا لكينونته. لقد صار السامري -بأمر الله- نموذجًا حيًا للعزلة، يُعلنها بلسان حاله قبل لسان مقاله: "لَا مَسَاس". فصار جسده كالسِّتر المرفوع عليه، ووجوده كالعلامة المضيئة في الظلام تُنذر: "احذر الاقتراب".
"تَقُول": فهي ليست قولًا عابرًا يُذكر وينسى، بل هي حالة وجودية دائمة. هي الصفة الملتصقة به كالاسم، والظل اللاحق له في كل خطوة. لقد أصبحت العزلة سجنه الواسع، وحريته المُقيَّدة. يتنفسها، ويعيشها، ويُعرِّف بها دون أن ينطق بحرف. إنها القول الذي صار جِبِلَّةً وطبعًا.
"لَا مَسَاس": وهي ليست مجرد تحذيرٍ مؤقت، بل هي وصم أبدي. إنها تجعل منه في أعين الناس كـ "الممسوس"، الذي يُخشى مسُّه لعلةٍ فيه، أو لطاقةٍ خبيثة تسكنه. لقد حُمِّل ثقلاً من الرمزية الثقافية العميقة، التي ترى في "المسّ" نقصًا أو عارًا أو علامةً على سخط سماوي. فأصبح ممنوعًا من حرارة الأيدي، وبُعدًا عن دفء الجماعة، وعزلةً في زحام الحياة.
والنتيجة: هي خلق كائن اجتماعي مطرود. لقد حوَّلته العقوبة من صانع فتنة إلى عَلامةٍ على الفتنة ذاتها. عقوبته هي أن يعيش بقية عمره مُعزولًا في ذاته، منبوذًا في مجتمعه، يحمل هوية العار والمسّ، لا يجرؤ على الاقتراب، ولا يُسمح له بالدُّنوّ. إنها إهانة الروح قبل الجسد، وإسقاط المكانة قبل حبس الحركة.
وكما جعل الله إبليس الملعون ، مرجومًا مذمومًا مدحورًا،
﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾،
﴿قَال فاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾،
كذلك جعل السامري – جزاء فتنته العظيمة – ممسوسًا منبوذًا، مذمومًا مرجومًا، مدحورًا من رحمة الجماعة ودفء الإنسانية.
فهذه العقوبة كانت أبلغ من السجن وأقسى من الضرب، فهي سجن في المجتمع، ووحشة في النفس، وطرد معنوي من دائرة الناس .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق