الأربعاء، 10 يونيو 2026

وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا - قراءة حديثة

 **بين هندسة اللفظ وعمق الدلالة،وجد من دونهما : قراءة بنيوية جديدة في رحلات ذي القرنين**


بقلمي:  الدبعي على احمد -يونيو 2026.

تظل القصة القرآنية مَعينًا لا ينضب من الأسرار اللغوية والبيانية، وكلما تأمل الباحث في نسيج آياتها، تجلت له لطائف تفوق التفسير الميكانيكي العابر، لتكشف عن إعجازٍ هندسي يُحكم ربط أطراف القصة ببعضها. ومن بين هذه المواضع البديعة ما جاء في ختام رحلات ذي القرنين في سورة الكهف، وتحديداً في قوله تعالى: **{حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا}** [الكهف: 93].


إن السؤال الحركي والبنيوي الذي يفرض نفسه هنا: **إلى أين يعود ضمير المثنى في قوله {مِن دُونِهِمَا}؟** هل هو عائد على (السَّدَّين) كما استقر في الموروث التفسيري؟ أم أن ثمة أفقاً بيانياً أرحب يربط هذا الضمير بـ (القومين الأولين) الذين مرّ بهما ذو القرنين في مشرق الأرض ومغربها؟


في هذا المقال، نضع هذه الفرضية اللغوية في ميزان التدبر الاستقرائي، مستعرضين التفسير الموروث، والقرائن القرآنية المطردة التي تدعم الوجه الجديد، وكيف يمكن للفظ القرآني الإعجازي أن يتسع للمعنيين معاً في تلاحم فريد.


### أولاً: التفسير الموروث (الرؤية الظرفية والمكانية)

اتجهت جماهير المفسرين (كالطبري، وابن كثير، والقرطبي) تلقائياً إلى إعادة الضمير في **{مِن دُونِهِمَا}** إلى أقرب مذكور في الآية وهو **(السَّدَّيْنِ)**.

والتوجيه اللغوي لهذا الرأي يرى أن "دُون" هنا جاءت بمعنى ظرف المكان (أمام أو خلف)، أي: وجد من وراء الجبلين أو أمامهما قوماً. وتتجلى الفائدة البيانية هنا في رسم المخطط الجغرافي للموقع؛ فالقوم لم يكونوا يقطنون في الفجوة أو الممر الذي بين الجبلين مباشرة، بل في منطقة محاذية لهما ("دونهما")، ممّا جعل بناء الردم في تلك الفجوة وسيلة هندسية لإغلاق المنفذ الوحيد الذي كان يتسلل منه الأعداء (يأجوج ومأجوج). كما تحمل "دون" في طياتها معنى دونية الرتبة والمنعة، أي أن القوم كانوا مستضعفين وأقل قوة من منعة هذين الجبلين العظيمين.


### ثانياً: الفرضية الجديدة (الرؤية البنيوية والربط الكلي)

رغم وجاهة التفسير الموروث، إلا أن تأمل النسيج الكلي لرحلات ذي القرنين يفتح أفقاً جديداً؛ فالقصة مبنية على ثلاث رحلات كونية تعاملت مع ثلاثة أصناف من البشر. وإذا أعدنا الضمير في **{مِن دُونِهِمَا}** إلى **(القومين الأولين)**، تكتسب اللفظة فائدة قصصية وتشريعية كبرى تمنع التكرار وتربط أجزاء السيرة ببعضها، ليكون المعنى: "وجد متجاوزاً ومغايراً للقومين السابقين، قوماً ثالثاً بصفات مختلفة".

ورغم أن اللفظ الصريح "قومين" لم يُذكر مثنى، إلا أن السياق القرآني أوجدهما بوضوح في وعي القارئ:

 1. القوم الأول (في المغرب): **{وَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا}** [الكهف: 86].

 2. القوم الثاني (في المشرق): **{وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ}** [الكهف: 90].

فجاءت الرحلة الثالثة لتضع مقارنة تراتبية وبشرية مع القوم الثالث عبر قوله **{مِن دُونِهِمَا}** (أي غيْرهما وتجاوزاً لهما).


### ثالثاً: القرائن القرآنية الداعمة للفرضية

عند استقراء السنن اللغوية للقرآن الكريم، نجد أن تعبير "مِن دُونِ" يُستخدم غالباً للمقارنة والمغايرة والتجاوز بين أفراد من **جنس واحد أو متماثل** (بشر مقابل بشر، أو غيب مقابل غيب)، وليس مجرد ظرف مكاني جامد. وإليك الشواهد التي تطرد مع هذا القياس:

 * **المغايرة والمقابلة البشرية:**

   في قصة موسى عليه السلام عند ورود ماء مدين: **{وَلَمَّا وَرَدَ مَاۤءَ مَدۡیَنَ وَجَدَ عَلَیۡهِ أُمَّةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ یَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَیۡنِ تَذُودَانِ}** [القصص: 23]. هنا جاءت "من دونهم" لتفيد المغايرة والاعتزال البشري (امرأتين في جانب معزول مغاير لجمهرة الرجال الساقين).

 * **المغايرة في أصناف الأعداء:**

   قوله تعالى في معرض الإعداد: **{تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِینَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ}** [الأنفال: 60]، أي أعداء آخرين مغايرين وغير الصنف الذي تعلمونه (بشر مقابل بشر).

 * **الاعتزال البشري:**

   في قصة مريم عليها السلام: **{فَتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابࣰا}** [مريم: 17]، أي اتخذت ستراً يعزلها ويجعلها في مكان مغاير لأهلها وقومها.

 * **المقارنة والمغايرة التراتبية:**

   حتى عند الحديث عن غير البشر، كالجنان في سورة الرحمن: **{وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ}** [الرحمن: 62]، تفيد "دونهما" المقارنة والمغايرة النوعية والتراتبية بين مرتبتين من الجنان (جنتان لأصحاب اليمين مغايرتان ودون رتبة جنتي المقربين السابقتين).

هذا الاستقراء يثبت أن الوجدان القرآني حين ينطق بـ "من دونهما" في قصة ذي القرنين، فإنه يقارن قوماً بقوم، ويصل رحلة برحلة، ليرسم خط سير متكامل الأبعاد.


### رابعاً: اتساع اللفظ للمعنيين (ذروة الإعجاز البياني)

إن من أسرار الإعجاز اللفظي في القرآن الكريم ما يُعرف بـ **"اتساع الدلالة"**، حيث تنصهر المعاني المتعددة في لفظ واحد ليؤدي كل منها وظيفة بيانية في آن واحد دون تضاد.

ولا يمنع مطلقاً أن تكون الآية قد صيغت بعبقرية إلهية تجمع بين المعنيين:

 * **المعنى الموروث (المكاني الجغرافي):** يحدد موقع القوم بدقة ميكانيكية هندسية بأنهم وراء "السدين" وفي حمى الجبلين، مما يفسر جغرافية بناء السد.

 * **المعنى الجديد (البشري البنيوي):** يربط القوم جيلًا وثقافةً بـ "القومين الأولين"، ليعقد مقارنة أنثربولوجية بليغة: فبعد أن مر ذو القرنين بقوم المغرب أصحاب الحضارة والنظام والنفوذ، ثم بقوم المشرق البدائيين الذين يعيشون في العراء؛ تجاوزهم جميعاً ليجد **من دونهما** (مغايراً للقومين) قوماً مستضعفين عاجزين حتى عن الإبانة والتفهم لغوياً **{لَّا یَكَادُونَ یَفۡقَهُونَ قَوۡلًا}**.

بهذا الدمج الإعجازي، لا تعود كلمة **{مِن دُونِهِمَا}** مجرد فضلة لفظية أو حشو -تنزّه عنه القرآن- بل تصبح محور الارتكاز الذي يربط جغرافية المكان (السدين) بتسلسل حركة التاريخ والإنسان (الاقوام الثلاثة) في واحدة من أروع لوحات البيان القرآني.


ليست هناك تعليقات: