الأربعاء، 10 يونيو 2026

وماكان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطأ- قراءة حديثة

 يقول المولى عز وجل : 

+ فَمَا لَكُمۡ فِی ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ فِئَتَیۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوۤا۟ۚ أَتُرِیدُونَ أَن تَهۡدُوا۟ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِیلࣰا ۝٨٨ وَدُّوا۟ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَاۤءࣰۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنۡهُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ حَتَّىٰ یُهَاجِرُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَیۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنۡهُمۡ وَلِیࣰّا وَلَا نَصِیرًا ۝٨٩ إِلَّا ٱلَّذِینَ یَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُم مِّیثَـٰقٌ أَوۡ جَاۤءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن یُقَـٰتِلُوكُمۡ أَوۡ یُقَـٰتِلُوا۟ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَیۡكُمۡ فَلَقَـٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ یُقَـٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡا۟ إِلَیۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَیۡهِمۡ سَبِیلࣰا ۝٩٠ سَتَجِدُونَ ءَاخَرِینَ یُرِیدُونَ أَن یَأۡمَنُوكُمۡ وَیَأۡمَنُوا۟ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوۤا۟ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُوا۟ فِیهَاۚ فَإِن لَّمۡ یَعۡتَزِلُوكُمۡ وَیُلۡقُوۤا۟ إِلَیۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَیَكُفُّوۤا۟ أَیۡدِیَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَیۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَیۡهِمۡ سُلۡطَـٰنࣰا مُّبِینࣰا ۝٩١﴾ [النساء ٨٥-٩١.


﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن یَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـࣰٔاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـࣰٔا فَتَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲ مُّؤۡمِنَةࣲ وَدِیَةࣱ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰۤ أَهۡلِهِۦۤ إِلَّاۤ أَن یَصَّدَّقُوا۟ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوࣲّ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَتَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲ مُّؤۡمِنَةࣲۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُم مِّیثَـٰقࣱ فَدِیَةࣱ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰۤ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲ مُّؤۡمِنَةࣲۖ فَمَن لَّمۡ یَجِدۡ فَصِیَامُ شَهۡرَیۡنِ مُتَتَابِعَیۡنِ تَوۡبَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِیمًا حَكِیمࣰا ۝٩٢ وَمَن یَقۡتُلۡ مُؤۡمِنࣰا مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدࣰا فِیهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِیمࣰا ۝٩٣ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَتَبَیَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنۡ أَلۡقَىٰۤ إِلَیۡكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنࣰا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِیرَةࣱۚ كَذَ ٰ⁠لِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمۡ فَتَبَیَّنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣰا ۝٩٤ لَّا یَسۡتَوِی ٱلۡقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ غَیۡرُ أُو۟لِی ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَـٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَ ٰ⁠لِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَـٰهِدِینَ بِأَمۡوَ ٰ⁠لِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَـٰعِدِینَ دَرَجَةࣰۚ وَكُلࣰّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَـٰهِدِینَ عَلَى ٱلۡقَـٰعِدِینَ أَجۡرًا عَظِیمࣰا ۝٩٥ دَرَجَـٰتࣲ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةࣰ وَرَحۡمَةࣰۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمًا ۝٩٦﴾ [النساء ٩٢-٩٦]


+ فإن الناظر في آيات القرآن الكريم ليوقف حائرًا أحيانًا أمام عظمة هذا التشريع الإلهي الذي يضع الأمور في مواضعها، ويُحكم صنعته في كل جزئية، لا سيما في أحلك الظروف وأصعبها. ومن ذلك ما جاء في سورة النساء من تشريع دقيق للقتل بين المؤمنين في خضمّ الحرب، حيث تتداخل السيوف، ويشتبه العدو بالصديق.


أولاً: المشهد الحَرْبي.. فوضى الميدان واشتباه الصفوف


إن الآيات الكريمة من (88 إلى 91) من سورة النساء لا تنزل على مجتمع يسوده السلم، بل تتحدث عن ساحة معركة تموج بالاضطراب، وتضطرب فيها المواقف، وتتشابه فيها الملامح. فهناك المؤمن المخلص الذي يشهر سيفه في وجه العدو، والمنافق المذبذب الذي يتربص بالفرقتين، وفئة ثالثة وقفت موقف المتفرج لا مع هذا ولا مع ذاك. وفي خضم هذه الفوضى العسكرية، حيث يختلط الغبار بالدماء، وتضيع معالم الوجوه، ويشتبه اللباس، ويندغم صوت الصديق بعدو – في هذا الخضم يصبح القتل الخطأ أمرًا حتميًا، بل هو من طبيعة الحرب التي لا ترحم.


ثانيًا: القاعدة الذهبية.. "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً"


هنا يأتي التشريع الإلهي ليضع قاعدةً محكمة، تنفي في أساسها وقوع القتل العمد بين المؤمنين في ساحة القتال. فالمؤمن الحقيقي – بفطرته – لا ينقلب على أخيه وهو يواجه عدوًا مشتركًا. فالقتل العمد يحتاج إلى نية مستقرة، وهدوء في البال، واختيار واعٍ للهدف، وهذه كلها مفقودة في لهيب المعركة، حيث تسود الفورية، ويسيطر الضغط النفسي والميداني الشديد. فجاء النص القرآني ليقصر القتل بين المؤمنين على الخطأ فقط، حفاظًا على تماسك الصف، وسدًا لأي ثغرة قد تؤدي إلى التفرق.


ثالثًا: التشريع الدنيوي.. لماذا غاب القصاص؟


في المجتمع المدني، يُقَام حد القصاص على القاتل عمدًا، فهذا هو العدل. ولكن هل يصلح هذا في ساحة الحرب؟!

تأمل معي الواقع العسكري:الجندي القاتل (لو فرضنا تعمده) هو:


· فرد في جيش نظامي.

· يؤدي واجبًا مقدسًا بأمر القيادة.

· يعمل تحت ضغط نفسي وميداني لا يُحتمل.


فلو أن الدولة شرعت في إقامة القصاص في لحظة الاشتباك، فماذا ستكون النتائج؟


· انهيار الروح المعنوية للجيش.

· تمزق النسيج الاجتماعي بين الجنود.

· إحداث فتنة داخلية يستغلها العدو للانقضاض.

· شلّ حركة الجيش وهو في أمس الحاجة إلى الوحدة.


لذلك جاء التشريع القرآني بديعًا، فتعامل مع الحادثة – حتى لو تداخلت فيها شبهات العمد – على أنها "قتل خطأ"، وشرع لها الدية وتحرير الرقبة والصيام. فهذا تشريع يمكن تطبيقه في الميدان دون أن يهدم البناء من أساسه.


رابعًا: العقوبة على القتل المتعمد.. إلى أين تؤجل؟


وهنا قد يسأل سائل: أين العدل إذن في حق من تعمد القتل؟!

والجواب:لقد جاءت العقوبة من ربنا على القاتل المتعمد ، ولكن على نحوٍ آخر، 


{فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}


إنها عقوبة:


· روحية: غضب الله ولعنه.

· نفسية: تأنيب الضمير والخشية من العذاب الأليم.

· أخروية: الخلود في نار جهنم.


فالدولة لا تستطيع أن تنفذ إلى القلوب، ولا تعلم النوايا الخفية، خاصة في زحام المعركة واشتباه الأسباب. ولكن الله – عز وجل – المطلع على سرائر الصدور، الحكيم في أحكامه – هو الذي يتولى العقاب، فيسد بذلك منطقة العجز في التشريع البشري.


خامسًا: القرائن العقلية والواقعية على صحة هذا الفهم


1. قرينة السياق الحَرْبي: الحديث عن فئات تتنقل بين المعسكرين يخلق احتمالاً قويًا للارتباك في تحديد الهوية.

2. قرينة غياب القصاص: مقارنةً مع النص الصريح على القصاص في جرائم القتل المدني في سورة البقرة.

3. قرينة القاعدة الأخلاقية: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً" تحوّل مسألة العمد إلى استحالة فعلية في منطق الإيمان.

4. قرينة الوعيد الأخروي الشديد: وهو أسلوب ردع نفسي فعّال عندما تكون العقوبة الدنيوية مستحيلة أو مؤذية.

5. قرينة التفصيل في شأن الخطأ: حيث فصل القرآن في الكفارة تفصيلاً دقيقًا، لأنه المجال الذي يمكن للدولة أن تتدخل فيه.

6. قرينة الطبيعة النظامية للجيش: فالجيش ككيان لا يستمر إذا شرع في إعدام جنوده أثناء القتال.


سادسًا: البعد الحضاري والسياسي للآيات


إن القرآن هنا لا يضع حكمًا فقهيًا مجردًا فحسب، بل هو:


· دستور حكيم لإدارة الدولة في أحلك أوقاتها.

· نظرية متكاملة في ضبط الجيش ومنع انهياره من الداخل.

· خطة محكمة لدرء الفتنة وحماية النسيج الاجتماعي.

· تربية عميقة للضمير الفردي والجماعي.


الخاتمة: حكمة التشريع الإلهي


فالقتل العمد بين المؤمنين في الحرب:


· نادر الوقوع بحكم طبيعة الإيمان وانظمة وقوانين الحروب والاشتباكات .

· خطير الأثر على كيان الأمة.

· فتركه ربنا على عاتق ومسؤلية  التشريع الدنيوي عن ضبط ومعاقبة القاتل،غالبا باستخدام تشريع القتل الخطأ.. .

.ووضح ربنا العقاب النفسى والجسدى  على القاتل فى حياته الدنيا وفى اليوم الأخر .


بينما القتل الخطأ:


· واقع لا محالة بحكم طبيعة الحرب.

· يمكن تنظيمه بتشريع دنيوي.


فجاء التفصيل في حكمه.


فسبحان من أنزل هذا القرآن! كتاب هداية، ودستور حياة، ومنهج دولة، لا تأخذه في الله لومة لائم، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.



ليست هناك تعليقات: