الأربعاء، 10 يونيو 2026

لا الشمس ينبغى لها ان تدرك القمر - قراءة حديثة

 قراءة حديثة لقول الله تعالى :

 :﴿لَا ٱلشَّمۡسُ یَنۢبَغِی لَهَاۤ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّیۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلࣱّ فِی فَلَكࣲ یَسۡبَحُونَ﴾ [يس ٤٠]


الحمد لله الذي أنزل كتابه نورًا وهداية، وأودع في آياته كنوز البلاغة وأسرار الإعجاز، فكانت كلماته منارات يهتدي بها العاقل في دروب الفكر والنظر. أما بعد…


فإن المتأمل في قوله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ} يقف أمام مشهد قرآني يتداخل فيه العلم بالبيان، وتلتقي فيه الحقيقة الكونية بالعبرة التربوية. ولعل أول ما يُثار في النفس سؤال: لماذا أفرد القرآن القمر بالذكر ولم يشر إلى الأرض، وهي موطن الإنسان وقرار حياته؟

إن في هذا السؤال مندوحةً للتأمل، وفي إجابته يتعانق المنظور العلمي بالرؤية البلاغية في صورة كونية تأخذ بالألباب.


أولاً: لغة المشهد المرئي… حين ينطق الكون بلغة الإنسان


تستعرض آيات سورة يس مسارح كونية يلمسها الإنسان كل يوم:


فالشمس تجري في مدارها كأنها تجري جريانًا يتسابق إلى الأبصار.


والقمر يعبر منازل بيِّنات حتى يعود في تمامه كالعرجون القديم.


والجميع {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} في نظام لا يتخلف.


إن أوثق العلاقات التي يدركها الناس بحواسهم هي علاقة الشمس بالقمر، فهما جرمـان يتراءيان لنا في السماء، يتعاقبان ويتجاوران في لوحة الزمن اليومي. أما الأرض، فنحن عليها سائرون؛ لا نشعر بحركتها، ولا نرى مدارها رؤية عيان. ولو ذُكرت في هذا السياق لانقطع النسق التصويري عن المشاهد المحسوس الذي يعايشه الإنسان.


ثانيًا: القمر… الحلقة الأرقّ في توازن المنظومة


ومن لطائف الإعجاز العلمي أن القمر – رغم ضآلته – يمثل الحلقة الأكثر حساسية في منظومة: الشمس – الأرض – القمر. فهو أقل الأجرام كتلةً، وأكثرها قابلية للاختلال عند أي اضطراب في ميزان الجاذبية.

فإذا كان القمر الضعيف محفوظًا في مساره لا تبلغه الشمس ولا تجتذبه، دلّ ذلك – بطريقة الاستدلال من الأدنى إلى الأعلى – على أن الأرض محفوظة من باب أولى. فذكر القمر هنا ليس إغفالًا للأرض، بل اختيار لما يدل عليها بأوضح برهان.


ثالثًا: كلمة "تدرك"… مفترق اللغة والعلم


تتسع كلمة "تُدْرِك" في اللغة العربية لطبقات من المعاني:


لحاق المكان: أن يصل الشيء إلى غيره فيلتحم به.


ولحاق الزمان: أن يجتمعا في وقت واحد بلا تمايز.


والتمكن والقهر: وهو ما يشبه سيطرة الجذب المفضي إلى الاصطدام.


والآية تنفي كل هذه المعاني دفعة واحدة: فلا الشمس تلحق بالقمر مسارًا، ولا تساوقه زمانًا، ولا تقهره بجاذبيتها. وهذا يتناغم مع الحقائق الفيزيائية التي تفسّر استقرار المدارات بتوازنٍ دقيق بين قوة الجذب وقوة الطرد المركزية الناشئة عن الحركة المدارية.


رابعًا: البعد النفسي… خطاب طمأنينة لا تهويل


وفي هذا الموضع تتجلى حكمة الخطاب القرآني؛ فذكر احتمال أن تدرك الشمس الأرض، موطن الإنسان ومأمنه، قد يوقع في النفس هولًا وجوديًا. فجاء ذكر القمر، ليكون المثال الأقرب والألطف:


يوقظ العقل بالتأمل في انتظام الكون.


ويهدئ القلب بأن من يحفظ القمر من الاختلال هو نفسه الذي يحفظ الأرض من وراء سترٍ من الرحمة.


فالقرآن لا يريد للإنسان أن يعيش مرتعدًا من حركة الأفلاك، بل متأمّلًا مطمئنًا، يستكشف دون خوف، ويُبصر دون قلق.

ليست هناك تعليقات: